أحمد المالكى

حين لا يفيد الكلام

الإثنين، 09 فبراير 2026 04:25 م


فى لحظات الوجع الحقيقى، لا يكون الصمت عجزًا، بل اختيارًا.

اختيارًا صعبًا، موجعًا، لكنه نابع من شىء أعمق من القدرة على الكلام:

الكرامة.
ليس كل من يتألم يشتكى، وليس كل من يصمت راضٍ.
أحيانًا نصمت؛ لأننا نعرف أن الكلام لن يغيّر شيئًا، وأن الشكوى فى غير موضعها تزيد الوجع ولا تخففه.
حين تشعر أنك تُركت على الهامش، وأنك لم تعد فى حسابات من كنت تعوّل عليهم، يمرّ بخاطرك أن تتكلم، أن تسأل، أن تعاتب.
لكنّ شيئًا فى داخلك يقف حائلًا بينك وبين الكلمات.
صوتٌ خافتٌ يقول لك:
لا تطلب مكانًا لم يُعطَ لك باختيارهم، ولا تشرح وجعًا لمن لا يسأل عنه.

الكرامة هنا لا تأتى فى صورة كبرياء فارغة، بل فى صورة وعي.
وعى بأن بعض الأبواب إن لم تُفتح لك من تلقاء نفسها، فالدخول منها لن يمنحك الطمأنينة.
وأن بعض العلاقات إن احتاجت منك أن تطلب، فهى فى الأصل لم تكن ثابتة.
تختار الصمت، لا لأنك لا تملك ما تقوله، بل لأنك تملك الكثير.
تختار ألا تقول: لماذا تغيّرتم؟
ولا تسأل: لماذا لم أعد مهمًا؟
والجواب بكل وضوح: لأنك تعرف أن الإجابات، إن جاءت، فإنها ستأتى باردة، متأخرة، أو ناقصة.
وفى هذا الصمت، يدور صراع داخلى قاسٍ.
صراع لا يسمعه أحد، ولا تظهر آثاره على الملامح، بل تظهر الآثار ، وتنهك الروح ببطء.
القلب يريد أن يتكلم، أن يفرغ ما فيه، أن يقول: لقد آلمتموني.
والعقل يقف حارسًا صارمًا، يذكّر بأن بعض الكلام لا يُصلح، وأن بعض العتاب لا يُجدي.
وبين هذا وذاك، تقف الكرامة، تمسك بزمام النفس، وتقول بهدوء حاسم:
اصمت؛ ليس كل ما يُشعَر به يُقال.
تتدافع الكلمات فى الداخل، تبحث عن مخرج، ثم تعود أدراجها، مثقلة، متعبة.
تحمل أسئلة كثيرة بلا أجوبة، وعتبًا مؤجَّلًا لا يعرف طريقه إلى النطق.
تشعر أحيانًا أن هذا الصمت أثقل من الكلام، وأن حمله يحتاج قوة لا يراها أحد.
لكنك، رغم ذلك، تواصل الصمت، لا لأنك لا تستطيع الكلام، بل لأنك اخترت أن تحمى ما تبقى منك.
فالقلب يريد أن يبوح، والعقل يحذّر، والكرامة تمسك بزمام الأمر.
وهنا تجلس وحدك، تحمل كلامًا كثيرًا لم يُقل، وعتبًا لم يُرسل، وأسئلة بلا عناوين.
أحيانًا تشعر أن هذا الصمت يثقلك، كأنك تحمل حملًا لا يراه أحد.
تتمنى لو كان بإمكانك أن تقول كل شيء، ثم تمضي.
لكنك تعلم، فى قرارة نفسك، أن بعض الكلام إن خرج، لا يعود، وأن بعض العتاب إن قُدِّم لمن لا يقدّره، يتحول إلى إهانة للنفس.
فتتعلم أن تحمى نفسك بالصمت.
أن تنسحب دون ضجيج.
أن تترك دون أن تشرح.
ليس لأنك قاسٍ؛ بل لأنك تعبت من التبرير.
الكرامة هنا ليست قسوة، بل رحمة.
رحمة بنفسك من أن تضعها فى موضع انتظار أو رجاء لا يليق بها.
رحمة من أن تمد يدك لمن لا يمد يده إليك.
ومع الوقت، تفهم أن الصمت ليس هروبًا،
بل ترتيبًا داخليًا.
تبدأ فيه بإعادة تعريف نفسك، وحدودك، وما تقبله وما لا تقبله.
تتعلم أن بعض العلاقات لا تستحق نقاشًا، وبعض الخسارات لا تحتاج تفسيرًا.
قد يراك الآخرون هادئًا، متماسكًا، ولا يعلمون أن داخلك عاصفة.
ولا بأس؛ فليس كل وجع يجب أن يُعرض،ولا كل حزن يحتاج شاهدًا.

وفى النهاية، تصل إلى قناعة بسيطة لكنها ثقيلة المعنى:
أن الكرامة أحيانًا تعنى أن تبتعد،وأن تحفظ ما تبقى من نفسك،وأن تختار السلام على حساب الكلام.

وحين تفعل ذلك، قد تشعر بالوحدة قليلًا،
لكنها وحدة نظيفة،
لا يرافقها ندم، ولا يُثقلها سؤال: لماذا قلت؟ ولماذا طلبت؟

هناك، فى هذا الصمت الناضج،تبدأ أولى خطوات الشفاء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة