تمر اليوم الذكرى التاسعة والسبعون على حادثة كوبري عباس، إحدى أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ الحركة الطلابية المصرية، والتي ارتبطت بأحداث فبراير عام 1946، حين خرج آلاف الطلاب في مظاهرات حاشدة للمطالبة بجلاء الاحتلال البريطاني ووقف المفاوضات معه، في ظل ما اعتبره الشارع المصري آنذاك سوء نية واضحة من الجانب الإنجليزي وعدم وجود رغبة حقيقية في الجلاء عن مصر.
وشهد يوم 9 فبراير 1946 خروج مظاهرات طلابية من جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) متجهة إلى قصر عابدين، رافعة شعارات تطالب بالجلاء، وكان من بينها شعار «الجلاء بالدماء». وعند وصول المظاهرة إلى كوبري عباس، كان الكوبري مفتوحًا بالفعل لمرور المراكب النيلية، ما دفع عددًا من طلاب كلية الهندسة إلى النزول أسفل الكوبري لإغلاقه، بهدف تمكين زملائهم من العبور إلى البر الشرقي للنيل.
غير أن قوات الشرطة تصدت للطلاب، ووقعت اشتباكات عنيفة استخدمت فيها العصي الغليظة، وأسفرت عن إصابة نحو 84 طالبًا، نُقل أغلبهم إلى مستشفى قصر العيني لتلقي العلاج، دون تسجيل حالات وفاة في ذلك اليوم، بحسب بعض الروايات.
وفي المقابل، تشير روايات أخرى إلى أن الأحداث تطورت بصورة أكثر دموية. ففي كتاب «أوراق هنري كورييل والحركة الشيوعية المصرية»، جمع ودراسة رءوف عباس وترجمة عزة رياض، ورد أن مظاهرة التاسع من فبراير شهدت ما وصف بـ«مذبحة النقراشي» على كوبري عباس، وأسفرت عن مئات الجرحى وأكثر من عشرة قتلى، وهو ما عزز الصورة الشائعة عن سقوط طلاب في نهر النيل عقب فتح الكوبري أثناء مرورهم.
وكان لهذه الأحداث تداعيات خطيرة على المشهد السياسي، إذ استغلتها الحركة المصرية للتحرر الوطني لتكثيف نشاطها التنظيمي، ودعت العمال إلى الانضمام إلى الطلاب، خاصة بعد محاصرة قوات البوليس للجامعة. وتصاعدت المواجهات خلال الأيام التالية، وصولًا إلى إحراق الزينات المعدة للاحتفال بعيد ميلاد الملك في 11 فبراير، ثم محاصرة الطلاب داخل كلية الطب ليومين متتاليين، قبل أن تلجأ قوات الأمن إلى استخدام الغازات المسيلة للدموع والأعيرة النارية لتفريقهم.
وعلى الجانب الآخر، قدّم عدد من المؤرخين قراءات مغايرة لتلك الأحداث. فقد أكد عبد الرحمن الرافعي، في الجزء الثالث من كتابه «أعقاب الثورة المصرية» الصادر عن دار المعارف، أن الروايات التي تحدثت عن سقوط قتلى أو غرق طلاب في حادثة كوبري عباس قد بالغت في تصوير الواقعة، مشيرًا إلى أنه لم يثبت مقتل أو غرق أي طالب في هذه الحادثة تحديدًا، ولو حدث ذلك لذُكرت الأسماء في حينها أو لاحقًا.
كما ذهبت الدكتورة لميس جابر، في مقال لها بعنوان «أكذوبة مذبحة كوبري عباس»، إلى أن أسماء شهداء الجامعة المنقوشة على النصب التذكاري بجامعة القاهرة تعود في الأصل إلى مظاهرات نوفمبر 1935، التي خرج فيها الطلاب مطالبين بعودة دستور الأمة، والتي عُرفت آنذاك بـ«مظاهرات الدستور»، واصفًا إياها الرافعي نفسه بـ«ثورة الشباب»، باعتبارها امتدادًا مصغرًا لثورة 1919.