سامح خضر

تأميم الضمير الإسرائيلى

الإثنين، 09 فبراير 2026 10:53 ص


سادت حالة من السخط داخل المؤسسة الأمنية وامتدت إلى الأوساط الإعلامية الإسرائيلية، على خلفية اعتراف ضابط رفيع المستوى فى الجيش الإسرائيلى بصحة أرقام وزارة الصحة الفلسطينية حول أعداد ضحايا الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة؛ إذ بلغت وفق التوثيق الرسمى للوزارة نحو 70 ألف شهيد حتى تاريخه. لقد أضحى السؤال فى المجتمع الإسرائيلى لا يتعلق بـ “كيف ولماذا فعلنا هذا"؟ بل بـ “كيف نتستر عليه ونخفيه"؟ وهو الأمر الذى يكشف عمق الهوة الأخلاقية داخل إسرائيل، ليس فقط على مستوى الحكومة والمؤسسة الأمنية، بل على مستوى المجتمع الإسرائيلى نفسه، الذى يعد المحرك الفعلى لهاتين المؤسستين.

تعد مسألة الأخلاق فى العلاقات الدولية واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل بين النظريات الكبرى فى هذا المجال؛ إذ يقصد بها إخضاع ممارسات الدول وسلوكياتها- سواء فى حالات السلم، التحالف، الاتفاقيات، العقوبات، أو حتى الحرب- إلى مجموعة من المعايير التى تضمن العدالة، واحترام حقوق الإنسان، وحماية المدنيين، والوفاء بالعهود. ففى العصور القديمة اعتبر أفلاطون وأرسطو أن السياسة هى فعل أخلاقى فى جوهره. أما فى العصر الحديث، فقد بدأ التحول باتجاه فصل الأخلاق عن السياسة الدولية على يد المفكر الإيطالى نيكولو ميكافيللي، الذى قدّم السياسة بوصفها ممارسة مجرد من الأخلاق ترتكز على ما هو كائن، وعلى مبدئه الأشهر الذى يستند إليه الواقعيون "الغاية تبرر الوسيلة". 

يرى الواقعيون، أمثال توماس هوبز وهانز مورغنثاو وغيرهم، أن الدول لا أخلاق لها بل مصالح تسعى إلى تحقيقها والحفاظ عليها، وأن الغاية الأسمى للدول هى البقاء فى ظل عالم تسوده الفوضى ولا مكان للأخلاق فيه. حتى إن القانون الدولى لا ينبغى أن يفعّل إلا عندما يكون استجابة لموازين القوى. لقد أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية، ومن بعدها حرب إسرائيل على غزة، عمق الهوة بين الخطاب والتطبيق فيما يخص القانون الدولي. ففى حالات لا ترتقى لما ارتكبته إسرائيل من جرائم حرب وإبادة جماعية فى قطاع غزة والضفة الغربية، فعّلت المنظومة الدولية أدواتها القانونية، واتخذت عقوبات مشددة تجاه روسيا على أكثر من مستوى، فيما اكتفت ببعض بيانات الشجب والتنديد تجاه إسرائيل دون اتخاذ خطوات عقابية رادعة.

يبدو الاستياء الإسرائيلى من إقرار ضابط رفيع بصحة أرقام وزارة الصحة الفلسطينية بمثابة صفحة جديدة تضاف إلى كتاب الانهيار القيمى الجماعى فى إسرائيل؛ إذ أصبحت "الرواية" وكيفية تسويقها لجمهور بغية استلاب وعيه ودفعه إلى تبنى سردية كاذبة، أهم من التحقيق فى "الفعل" نفسه؛ ذلك أن الولاء للمجموعة يأتى على حساب الحقيقة كقيمة مطلقة. ينحاز الإسرائيليون إلى الراحة النفسية التى يوفرها كذب جماعى وممنهج، هرباً من العناء الأخلاقى الذى يفرضه الاعتراف بالذنب. لم يعد الفرد هناك ضميراً مستقلاً، بل أصبح ضميراً جرى تأميمه والاستحواذ عليه لصالح ماكينة تبرير مستمرة، وقودها "المظلومية التاريخية".

فتحت موجة الغضب تجاه الضابط وصحيفة هاآرتس العبرية ووسائل الإعلام العالمية، باب اللوم الداخلى فى إسرائيل حول قصور الدولة وأجهزتها وإعلامها عن تسويق الكذب دولياً. فلا أحد من مواطنيها يرغب فى معرفة الحقيقة لمواجهة الذات أو لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية للدولة وللمجتمع، بل ينصب لومهم على فشل الدولة فى خلق كذبة جيدة يمكن ترويجها للعالم. وتجد حالة التبلد الأخلاقى فى المجتمع الإسرائيلى تجلياتها فى الإنكار الممنهج لأعداد الضحايا الموثقة؛ بهدف نزع الإنسانية عنهم وشيطنتهم. كما أن استدعاء خطاب معاداة السامية المستهلك ما هو إلا وسيلة لمهاجمة العالم كلما واجه المجتمع الإسرائيلى سؤالاً أخلاقياً، وآلية لتعطيل الضمير المغيّب أساساً خلف ذرائع الدفاع عن النفس. هو مجتمع لا يرى أن الحقيقة ستحرره وتصوب مساره، بل ستدمره. 


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة