أعاد الجدل الذي شهده معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 فتح واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد الثقافي المعاصر، حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الأدبي، ومن يملك الحق القانوني والأخلاقي في ما تنتجه هذه التقنيات.
ففي الوقت الذي بدأ فيه البعض يستشعر الخطر على مستقبل بعض المهن خاصة الإبداعية والمرتبطة بفنون الكتابة بشكل عام، انفجرت ما أطلق عليه بـ "الفضيحة الثقافية" بعد تداول قطاع كبير من المثقفين على مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" صورة نسبت على أنها من إحدى الروايات التي كانت معروضة للبيع بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والتي انتهت من أيام قليلة.
الصورة التي تم تداولها بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" كشفت عن رواية تمت معالجتها آليًا عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل أن صاحب الرواية، ودار النشر لم يقوما بتنقيح الرواية أو حتى مراجعتها، إذ احتوت الصفحة على توجهات من تطبيق الذكاء الاصطناعي، بناء على تعليمات صاحب الرواية، حيث رد التطبيق عليه قائلا: "شكراً على التوضيح، سأستمر في سرد الأحداث مع التركيز على تطور علاقة (روح) بـ (إياد) بعد زرع الزهور مع الحفاظ على وجود الأمل في العلاقة بينهما".
ولم يقتصر الجدل على الشكل أو المستوى اللغوي للنصوص، بل امتد إلى جوهر الإشكالية، هل يُعد استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة ممارسة مشروعة ضمن حقوق المؤلف، أم أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمالات الاقتباس غير المشروع أو إعادة إنتاج أعمال أدبية سابقة دون إذن؟
حقوق الملكية الفكرية.. الفيصل الحاسم
في هذا السياق، شدد رئيس اتحاد الناشرين العرب على أن المعيار الأساسي للحكم على هذه الأعمال لا يرتبط بأداة الإنتاج، بل باحترام حقوق المؤلفين الأصليين. فسواء كُتب النص بقلم بشري تقليدي أو بمساعدة خوارزميات ذكية، فإن أي اقتباس أو نسخ من أعمال سابقة دون تصريح قانوني يُعد انتهاكًا صريحًا لحقوق الملكية الفكرية ويستوجب المساءلة.
الذكاء الاصطناعي بين المستخدم والمؤلف.. أين تقف القوانين؟
قانونيًا، لا يزال الموقف الدولي من تأليف الذكاء الاصطناعي محل تباين واضح، فالاتحاد الأوروبي أعد مشروع قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act) لا يعترف بالذكاء الاصطناعي كمؤلف، لكنه يفرض التزامات شفافية صارمة بشأن المحتوى المولّد آليًا.
أما في الولايات المتحدة فيرفض مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي (USCO) تسجيل أي عمل ناتج كليًا عن الذكاء الاصطناعي، ما لم تتوافر مساهمة بشرية جوهرية ومثبتة، بينما في المملكة المتحدة يمنح القانون حماية محدودة للأعمال المولّدة بالحاسوب، وتُسند الحقوق إلى الشخص الذي “أجرى الترتيبات اللازمة” لإنتاج العمل.
أما في الدول العربية فلا تزال معظم التشريعات تعتمد المفهوم التقليدي لحقوق المؤلف، القائم على الإبداع البشري بوصفه شرطًا أساسيًا للحماية.
قضية ستيفن ثالر.. اختبار قضائي لمفهوم التأليف
تبرز قضية الأمريكي ستيفن ثالر كأحد أهم الاختبارات القانونية في هذا المجال. فقد تقدم ثالر بطلب لتسجيل لوحة فنية بعنوان “مدخل قريب إلى الجنة”، زاعمًا أنها أُنتجت بالكامل بواسطة خوارزمية ذكاء اصطناعي من تطويره تُعرف باسم Creativity Machine، دون أي تدخل بشري.
رفض مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي الطلب، مستندًا إلى مبدأ راسخ مفاده أن الحماية القانونية لا تُمنح إلا للأعمال التي تنتج عن “عقل بشري” وعلى إثر ذلك، رفع ثالر دعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية، معتبرًا أن الرفض تعسفي وغير متوافق مع أهداف قانون حقوق الطبع والنشر.
حجج متقابلة.. ورهانات مستقبلية
يرى ثالر أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُعترف به كمؤلف، أو على الأقل أن تنتقل الحقوق إلى مالك النظام بموجب مبدأ “العمل مقابل الأجر” (Work-for-hire)، معتبرًا أن حماية هذه الأعمال تخدم الهدف الدستوري المتمثل في تعزيز تقدم العلوم والفنون، بينما موقف السلطات الأمريكية يتمسك بضرورة وجود عنصر بشري، مستشهدًا بسوابق قضائية شهيرة، من بينها قضية “سيلفي القرد”، التي أكدت أن غير البشر – سواء حيوانات أو آلات – لا يمكنهم امتلاك حقوق طبع ونشر.
لماذا يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة؟
تكمن أهمية هذه القضايا في أنها تمس مستقبل صناعة المحتوى عالميًا. فمع الانتشار الواسع لأدوات مثل ChatGPT وMidjourney، بات تحديد من يملك الحقوق القانونية للمخرجات الرقمية مسألة حيوية للمبدعين، ودور النشر، والمستثمرين. كما أن غياب الحماية القانونية الواضحة قد يؤثر سلبًا على الحوافز الاقتصادية لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الإبداعي.