تمر اليوم ذكرى رحيل الناقد الكبير رجاء النقاش، الذي توفي يوم 8 فبراير 2008، ومن أشهر كتبه "أدباء ومواقف" الذي يرى فيه أن الأدب فعلًا إنسانيًا ومسؤولية أخلاقية، فالكتاب، الذي يضم دراسات كتبت بين 1961 و1965، يضع القارئ أمام سؤال جوهري: ماذا يضيف الأدب إلى حياة الناس إن لم يكن شاهدًا على عصره، ومدافعًا عن كرامة الإنسان؟
مفهوم رجاء النقاش عن المبدع
ينطلق النقاش من تصور واضح للالتزام الأدبي، الكاتب عنده لا يحاسب فقط على ما يقول، بل على ما يسكت عنه أيضًا، ومن هنا جاءت قراءاته للأدباء الكبار بوصفهم أصحاب "مواقف" قبل أن يكونوا أصحاب أساليب، في تناوله لعباس محمود العقاد، لا يكتفي برصد أفكار "العبقريات"، بل يبرز دفاع العقاد عن البطولة والحرية في مواجهة الاستعمار والتزييف، وفي قراءته لستيفان زفايج، يتتبع حساسية الكاتب الأوروبي المرهف أمام خراب الحرب، وكيف يمكن للأدب أن يصبح مرآةً لانكسار الحضارة نفسها.
الأدب يكتب روح التاريخ
وإذا كان التاريخ الرسمي يكتب الوقائع، فإن النقاش يذكر بأن الأدب يكتب "روح الوقائع"، لذلك يدافع عن الرواية والشعر باعتبارهما وثيقة حية للمجتمع، قادرة على كشف ما لا تقوله الوثائق الجامدة، ومن هذا المنطلق أيضًا يواجه دعوات تفكيك الهوية اللغوية، ويرفض تحويل العربية إلى مجرد شكل منفصل عن تراثها وسياقها الحضاري، لأن اللغة عنده ليست أداة كتابة فقط، بل وعاء ذاكرة ووجدان جماعي.
وفي نقده للاستشراق وللصورة المشوهة عن الشرق في بعض الأعمال الغربية، يتقدم النقاش خطوة أبعد، الدفاع عن الحق في التمثيل العادل للذات، كما يرفض تزييف التاريخ في الأعمال الفنية التي تفرغ الانتصارات من معناها أو تقدم الماضي بمنطق الاستسهال والسخرية، لأن الفن في رأيه ليس ترفًا منفصلًا عن الوعي العام، بل شريك في تشكيله.
أما في حديثه عن الشعر العربي الحديث، فيضع يده على أزمة لم تفقد راهنيتها، غياب الرؤية الفلسفية العميقة يخلق فجوة بين الشاعر وجمهوره، لذلك كان احتفاؤه بالنماذج التي تمزج الجمال بالتأمل، واللغة بالأسئلة الكبرى، والذات بالهم الإنساني العام.
أدباء ومواقف