حازم حسين

عن العبور بالمنطقة من ثقب إبرة.. ثلاثية الوقت والنوايا والأقدار فى حوار واشنطن وطهران

الأحد، 08 فبراير 2026 02:00 م


لا اختراق ولا انسداد. انقضت جولة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران فى مسقط كما بدأت، مع رسائل إيجابية نسبيا من الطرفين. وما تزال الغيوم فى الأفق لأن القضايا الأساسية للحوار غير متفق عليها من الأساس.

الأمريكيون يحملون معهم سلة ثلاثية تضع النووى مع الصواريخ الباليستية والأدوار الإقليمية، وطهران تُقبل على الأولى باستثناء تأطير التخصيب وإبعاده خارج حدودها، وترفض البحث فيما عدا ذلك اتصالا بمسألتى الردع والسيادة.

يضع ترامب بندقيته على الطاولة، لا بالمعنى الرمزى فحسب، عبر التهديد والرسائل الساخنة وحشد أصوله العسكرية فى الجوار القريب من الهدف، إنما بمشاركة قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فى لقاء يُفترض أن طابعه سياسى ويقتصر على القنوات الدبلوماسية من الطرفين.

استعارة لأداة حليفه بنيامين نتنياهو بالتفاوض تحت النار، أو لنظرية سيد البيت الأبيض نفسه وتفضيلاته لمنطق «السلام من خلال القوة»؛ ما يجعل الحدث استكشافيا لحدود الرفض أو المطاوعة، وأقرب للاختبار وجس النبض؛ هذا لو صرفنا الذهن عن شبهة الاستدراج بغرض التعرية والتطويق، وعن تمرير الوقت لحين اكتمال العدة الحربية وتوافر شروط الذهاب إلى الخيار الخشن.

والعملية على هذا الوجه مُتبادَلة بين العاصمتين؛ إذ فى مقابل مناورات واشنطن المتتابعة، شهدت الأيام الأخيرة انتشارا محسوبا للزوارق البحرية الإيرانية فى محيط الخليج، فضلا على إسقاط طائرة مسيرة اقتربت من حاملة الطائرات إبراهام لينكولن ومجموعتها القتالية، بما يوحى بتوجيه رسائل ضمنية من طهران بشأن الجاهزية لكل الاحتمالات.

وما وراء ذلك من استشراف الأجواء وإكمال بعض المعلومات الأساسية عن اليقظة وزمن الاستجابة وأهلية الدفاعات المتمركرة فى المنطقة. أى أنها لم تكن مغامرة فجة كما يمكن أن يراها البعض، بقدر كونها نشاطا استخباريا يضىء لغرفة العمليات، ويلوح لغريمه بالتكاليف الباهظة؛ من دون أن يعنى بالضرورة أن الجمهورية الإسلامية راغبة فى الحرب، أو تقدمها على غيرها من البدائل الممكنة.

وما يُعزز التصور السالف، أن طبقة الحكم بمستوييها الثورى والسياسى تتقاسم الأدوار بحدود واضحة ومنضبطة. بين الحفاظ على صيغة صلبة من التحدى والتمسك بالثوابت والبديهيات، والمُلاينة النسبية على لسان الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجى.

وبدت الصورة أكثر جلاء فى المعالجات الإعلامية لاجتماع الجمعة، إذ دارت أغلب العناوين فى الصفحات الأولى للصحف المعتدلة والمتشددة على ثنائية متلازمة: السياسة والردع، التفاوض من منطلق قوة، والذهاب إلى الدبلوماسية بعينين مفتوحتين.

نظريا؛ افتتح الطرفان جولة فى مسار يبدو طويلا. وعمليا يمكن القول إنها السادسة لا الأولى، بالنظر إلى خمس لقاءات سابقة بين عُمان وإيطاليا فى صيف العام الماضى. كانت قد بدأت بخطاب من ترامب للمرشد الأعلى على خامنئى، مشمولا بمهلة من شهرين للتوصل إلى تسوية تعوض اتفاق 2015 الذى أنهاه الرئيس الأمريكى إبان ولايته الأولى بالعام 2018.

لكن المسار الجديد اختُتم سريعا بالضربة الإسرائيلية فى اليوم الحادى والستين تماما، قبل منتصف يونيو الماضى، مفتتحا حرب الاثنى عشر يوما التى توجتها قاذفات B2 الاستراتيجية الثقيلة بإفراغ حمولاتها من قنابل الأعماق على أهم ثلاثة مواقع نووية فى إيران.

بهذا؛ لا يبدأ الاشتباك الحالى من نقطة الصفر تماما. ولا من المحطة التى توقف عندها أيضا؛ لأن الشهور الثمانية الماضية حملت تطورات إضافية على كل الجبهات المفتوحة، وأضافت عناصر القوة التقليدية ممثلة فى الصواريخ الباليستية إلى ملفات البحث، مع مزيد من الرخاوة فى أطراف محور الممانعة، وهشاشة أعلى فى الداخل الإيرانى، بتأثيرات الانكشاف الذى أحدثته المواجهة السابقة، وتداعياتها على منسوب الغضب الشعبى الواصل إلى ذروته بالاحتجاجات العارمة خلال الأسابيع الأخيرة.

وكلها تضع الدولة الشيعية فى مأزق مركب، بين الحاجة إلى تخفيض حرارة الشارع بإصلاحات سياسية واقتصادية جادة وملموسة، تتطلب تقديم تنازلات للخارج، هى نفسها مما قد يشجع الغاضبين أو يضر بصورة النظام ويخصم من رصيده لدى حاضنته. مع الاستعصاء المتصل بتركيبة السلطة نفسها، بوصفها حقا إلهيا ينوب الحاكم فيه عن الإمام المهدى فى غيبته، ويجعل من فكرة تصدير الثورة ولعب أدوار وراء الحدود ثابتا عقائديا لا يقبل التهاون أو التفريط.

فإما البقاء على ما هى ماضية فيه، مع تكثيف الضغوط وتصاعد النزيف فى بيئة اجتماعية مشحونة ومتوترة، أو افتداء نفسها من الآخر البعيد، بما ينطوى عليه ذلك من إرخاء قبضتها ماديا ومعنويا على القريب، وتعرية الشعارات والاستقامة الثورية التى ترضخ أمام القوى وتستأسد على الضعيف.

والمُحصلة مُرّة فى الحالين: الصدام المُعجّل بالتداعى تحت الخنق والقصف، أو الفسحة النسبية التى لن يتولد عنها سوى شقاق أكبر وتفسُّخ تنكمش فيه الدولة على نفسها؛ لتتآكل وتتقوض أركانها، وإن على مدى زمنى أطول.

امتدح ترامب الورشة الثلاثية فى العاصمة العمانية، وكان مما قاله للصحفيين على الطائرة الرئاسية فى رحلة عطلته الأسبوعية إلا منتجع «مار إيه لاجو» فى فلوريدا، أن وفده المفاوض أجرى «محادثات جيدة جدا بشأن إيران»، ورأى أنها «راغبة بشدة فى إبرام اتفاق»، مع الإشارة إلى اللقاء مجددا فى مطلع الأسبوع.

وبقدر ما تبدو الرسائل إيجابية ومطمئنة؛ فإنها تُذكر بتعليقات شبيهة ظل يرددها طيلة الجولات الخمس فى العام الماضى، وإلى ما قبل ساعات قليلة من ضربته الجوية الثقيلة للمفاعلات. ولا يعنى ذلك أنه يكرر اللعبة ذاتها، كما لا دليل على العكس؛ لكنه استمراء تقنية الغموض وحشد المعانى وضدها فى فضاء واحد، بحيث يظل عصيا على التوقع، وتتعاظم الأعباء النفسية وكلفة الإرباك على الطرف الآخر؛ بما يجبره على أن يتحسس مواضع قدميه برجفة وأناة، ويدفعه إلى افتراض الأسوأ وصولا إلى إدخاله فى قفص الترويض وتقديم التنازلات المطلوبة.

غير أن الخطورة كلها فى قراءة المشهد على وجه خاطئ، واستخلاص أنه يُعبر عن ارتباك صاحبه بأكثر مما يشى برغبته فى إرباك الغريم. ومما يعزز احتمالية إساءة التفسير، أن محاولة التحرش الناعم بالقطع البحرية فى المحيط الهندى مرت دون رد؛ إلا إسقاط الدرون الاستطلاعية، كما أن طهران عندما طلبت نقل المفاوضات من اسطنبول إلى مسقط، واقتصارها على صيغة ثنائية مغلقة وغير مباشرة، تلقت جوابا أوليا من واشنطن بالرفض، ثم قبلت بالأمر لاحقا بعد مراجعة أو وساطات.

وهو ما يتسع التأويل فيه بدءا من تدخل بعض العواصم الإقليمية، وإلى التمادى فى إغراء طهران وخداعها بالعلامات والمواقف المتضاربة؛ لكنه لا يعبر إطلاقا عن خشية منها، ولا عن نزول الولايات المتحدة عن أهدافها المعلنة، لصالح ترضية الجمهورية الإسلامية للفوز بما ترتضيه وتتفضل به على الشيطان الأكبر.
وغريب للغاية أن يظل الإصرار القديم على الصيغة غير المباشرة. فالحال؛ أن البلدين فى مواجهة خشنة بالفعل، والحرب أولها كلام. ولا ينبغى إغفال أن تعاطى ترامب مع الظرف الراهن يظل وثيق الصلة بحسابات إقليمية واسعة، أهمها تداخل العواصم الكبرى لإبعاد شبح الصدام العسكرى، بينما يستند ترامب إلى تجارب سابقة اغتال فيها قاسم سليمانى فى العراق، أو قصف جوهرة التاج النووية فى عمق الجغرافيا الفارسية، ولم يأت الرد متناسبا مع حجم الرقصة الاستعراضية، أو خسائرها المادية والمعنوية فى الحالين.

وهو إن كان مردوعا نسبيا بافتقاد الأفق السياسى، وتعقد حسابات المستقبل فيما بعد أية مغامرة بإسقاط النظام؛ فإن القيد المتصل بغياب البدائل الصالحة للحلول بدلا عن المرشد لا يكفى لانتزاع شعور عميق بالأمان، ولا يعنى انعدام بقية الخيارات المتاحة، وأقلها مواصلة الحصار، وأعلاها الضربات الموجهة بغرض الإضعاف وتقويض النظام من داخله.

يهمس العرب فى أذن، ويصرخ الصهاينة فى الثانية، وترامب بين الاثنين ما زال محافظا على غموضه وطبيعته الانفعالية المتقلبة، ولم يوقع صكا لأحد منهما بقراره النهائى حتى الآن. مصر تنشط على خط التهدئة لاعتبارات استراتيجية تخص عموم المنطقة وتوازناتها الجيوسياسية، وتركيا متوجسة من أية خلخلة تعرضها لمخاطر أمنية أو موجات نزوح، والخليج يعرف أنه واقع فى شق الرحى بين الطرفين مع أى تصعيد أو لجوء إلى خيار الحرب.

أما نتنياهو فلا يريد غيرها لأغراض خاصة، تتقدم على أولويات إسرائيل نفسها، وإذا كانت مصالح الدولة العبرية أعلى مع إضعاف الجمهورية الإسلامية أو تفكيكها؛ فلا يصح التغاضى عن موجة تل أبيب العالية، ولا أنها قد تتوقف عن التشغيب واصطناع مثيرات الصدام.

رئيس حكومة الاحتلال استبق جولة عُمان باجتماع لمجلسه الأمنى المصغر، مساء الخميس، وكانت أبرز عناوينه البحث فى سناريوهات ما بعد فشل المفاوضات والعودة للتصعيد الأمنى. مع التلويح بالجاهزية ووضع الخطط، والتحضر لضربة عسكرية ستكون أقسى وأشد وطأة من سابقتها فى العام الماضى.

وإذ يبدو الطرح رغائبيا ويقدم التمنى على القراءة الواقعية للسياق؛ فإن من وظائفه المطلوبة، وربما المتفق عليها أيضا مع الأمريكيين، تكثيف الضغوط على الإيرانيين وحصارهم فى خندق الإذلال الاختيارى أو توفير ذرائع المواجهة الساخنة، ما يرفع محاذير التورط فى عملية استدراج دعائية ونفسية، تعبر بين حمولاتها المضمرة عن نية مبيتة سلفا؛ لكنها تظل بما تنطوى عليه أخطر ما يتهدد إيران، الدولة والنظام، ولا يصب فى صالح نجاتها من المأزق الراهن، أو تثبيت الحد الأدنى المتاح من مصالحها الحيوية.

لا أريد القول إن القرار اتُّخذ بالفعل؛ إذ مع الإقرار بتلك الإفادة كحقيقة مُطلقة، تنتفى بالضرورة أية حاجة للبحث عن مخارج من الأزمة. غير أن الفارق كبير بين الوقوع فى أول فخ على الطريق إلى المقصلة، ومناورته سعيًا إلى الإفلات من الكمين المُعدّ سلفًا، والرهان على الوقت فى تذويب المخاطر الحالّة، والتفكير فى بدائل مستقبلية عن سعة وعدم التجاء إلى الخيارات الصفرية.

بمعنى أن إيران فى حاجة إلى الإصلاح؛ إلا أن المرحلة الحالية أسوأ فترة يُمكن السير فيها باتجاه ذلك، والنظام لم يعترف بعد بأنه فى امتحان وجودى، وبقدر ما يُخشَى عليه من الذهاب إلى المجهول، يُخشَى منه أن يخرج من محنته كما دخلها؛ فيتسبب لنفسه والبلد فيما هو أكبر وأعظم وأشد وطأة لاحقا.

يجب ألا يُمكّن نتنياهو من الوصول إلى الهضبة الفارسية مُجددا بالقاذفات والطائرات المُقاتلة. إيران غير قادرة على الحرب، ولا على الصمود طويلا فى حالها الراهنة. الأذرع الرديفة تآكلت وصارت عبئا عليها وعلى دُوَلِها، وغراء العقيدة لا يُؤمَن منه أن يظل صلبًا وشادًّا أركان الدولة إلى بعضها.

وإذا كان طوفان السنوار فتح الباب إلى تسييل المنطقة وتغيير معالمها وتوازناتها؛ فإن المساس بقُطب مهم فيها كالجمهورية الإسلامية يُعرضها لمزيد من الاختلالات، ويُجهز على بقايا إرثها آجلاً؛ بحيث تتعاظم الكُلفة غدًا، أضعاف ما يُرفَض أو يُمكن اقتناصه اليوم.

والدعوة ليست إلى الرضوخ على ضعفٍ ومظلمة؛ إنما إلى التعقُّل والتصويب. إذ لا يُنكَر أن سياسات إيران الإقليمية لم تكن مثالية، وأضرّت الجيران قبل أن ترتدّ الأضرار عليها، وهى مدعوّة اليوم إلى الرجوع عما انتهجته سلفًا لحاجة وجودية ماسّة، ولأجل تطبيع علاقاتها مع محيطها فى إطار مُنضبط ومتوازن، يشفع فيه أن الجوار القريب والبعيد من أشد أسباب إرجاء الجولة الجديدة من الصدام حتى الآن.

بيد أن الخيار السيئ غير مُستبعَد تماما. الأرمادا الأمريكية الكاسحة ليست للتباهى أو الاستعراض، ولن تعود أدراجها من دون مُقابل ملموس. وكلما طال الإبطاء وتخفيض الوتيرة؛ تتصاعد احتمالات التأجيج وحِدّته تاليًا؛ لأن البديل عن ذلك معناه إقرار واشنطن بالهزيمة المعنوية، وتشجيع طهران على مزيد من التحدّى وإساءة التصرّف.

باختصار؛ الضربة أقرب من أى وقت مضى، ولا يمنعها إلا أن يتخلّى المفاوض الفارسى عن عقلية البازار وطول نَفَس ناسجى السجّاد، وأن يفتدى الحال غير المثالية القائمة اليوم، بفوائض الشعارات والأوراق التى لن تكون لها قيمة غدا، أو مع أى مساس بالتركيبة القائمة لدرجة لا ينفع الإصلاح بعدها، ولا تتوافر شروط العبور الآمن.

يمكن أن يكتفى البيت الأبيض اليوم بورقة النووى مع تخفيض السقف وضغط عمائم الملالى؛ حتى لو كان نتنياهو راغبا فى تطيير رؤوسهم. مع الوعى بأنه سيظل يُراهن على التغيير الآمن ومنضبط الكُلفة من الداخل؛ أما وعوده السابقة عن المدد المُتّجه إلى المُحتجين، وضرورة القلق، وانفتاحه على كل الخيارات السيئة قبل الجيدة؛ فلم تكن صخبًا مجانيًّا ولا فائضًا فى اللغة والتخويف، إنما من عادة ترامب أن يضع أوراقه على الطاولة، ثم يُرشّدها من دون التخلىّ عنها تمامًا، ومن منطلق السعى إليها من زاوية أخرى وبأدوات مُغايرة.

الوقت كالقوّة؛ لا يخدم إلا من يملكه ويتسلّط عليه، ويقدر على إطالة مُهلته أو إنهائه. وإذا كان نتنياهو يُراهن على رأس المُمانعة؛ لإفساد خطة ترامب فى غزة، فلا يُعرَف على أى شىء تتعلق آمال طهران، أو تُبقى أذرعها فى لبنان والعراق واليمن مُعرّضة لمزيد من المخاطر، دون قابلية للاشتباك أو تعديل الموازين. فقد التلويح بالحرب رمزيّته؛ بعدما تحقق سابقا بالفعل. سقط جدار الردع وراء الحدود الفارسية وفى عُمقها، والشعارات وحدها لم تعد تسدّ مَسَدّ القدرات المُتداعية.
من مصلحة إيران أن تعود دولة طبيعية؛ لنفسها قبل الآخرين، ولفائدة الجميع، باستثناء إسرائيل، ألا يُفضى الانسداد الراهن إلى انفجار لن يحتمله أحد، وسيندم عليه الذين قصّروا فى استدراكه والاحتياط له، بل ساروا إليه دون وعى وبصر كالمُنوّمين، أو بانتحارية ساذجة كالفراشات التى لا ترى من النار سوى النور؛ وأحيانًا يقود إلى ضلال، ودومًا إلى الاحتراق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة