في ذكرى رحيل رجاء النقاش، يظل كتابه "بين المعداوي وفدوى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر" واحدًا من أكثر أعماله دلالة على حسه النقدي الإنساني، فهو ليس مجرد عرض لرسائل خاصة، بل قراءة عميقة لمرحلة كاملة من تاريخ الأدب العربي الحديث، من خلال وثيقة نادرة تجمع بين العاطفة والفكر والنقد.
يقوم الكتاب على كشف مراسلات مجهولة دارت في الخمسينيات بين الناقد المصري أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، في علاقة روحية لم تكتمل بلقاء مباشر، لكنها تركت أثرًا أدبيًا واضحًا في اللغة والنبرة والرؤية. ويقدّم النقاش هذه العلاقة بوصفها تجربة إنسانية مركبة: حب من جهة، ووثيقة ثقافية من جهة أخرى، تضيء طبيعة الزمن العربي آنذاك، بما فيه من قيود اجتماعية وأسئلة حرية ومصير.
كيف قدم رجاء النقاش الناقد أنور المعداوي؟
في تناوله لأنور المعداوي، يرسم رجاء النقاش صورة ناقد شديد الجرأة، دخل معارك فكرية واسعة، ودفع أثمانًا شخصية قاسية انتهت بعزلة ومرض ورحيل مبكر. أما فدوى طوقان، فيقرأها النقاش داخل سياق اجتماعي محافظ جعل الرسائل مساحة بديلة للحياة والبوح، وهو ما يفسر حضور هذا التوتر العاطفي والوجودي في بعض نصوصها الشعرية في تلك المرحلة.
أهمية الكتاب لا تتوقف عند البعد الوجداني، فالرسائل تتضمن أيضًا آراء نقدية وملاحظات فنية تكشف جانبًا مهمًا من تصور المعداوي للشعر والفن، خصوصًا فكرته عن "الأداء النفسي" بوصفه شرطًا لصدق التجربة الأدبية. ومن هنا تتجلى قيمة العمل: توثيق حيّ للحظة أدبية، ومادة تفسيرية لفهم نصوص وشخصيات لا تُقرأ بمعزل عن ظروفها الإنسانية.
الأهم أن رجاء النقاش يوضح منهجه بوضوح، الاقتراب من الحياة الشخصية للأديب ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لفهم الظاهرة الأدبية في سياقها الاجتماعي والنفسي. لذلك يأتي الكتاب مثالًا صريحًا على مدرسة نقدية ترى أن النص لا ينفصل عن صاحبه، وأن الإبداع لا يولد في فراغ.
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عن دار المريخ بالرياض عام 1976، ثم صدرت طبعة منقحة عام 1990، وبقي الكتاب حتى اليوم مرجعًا مهمًا لكل من يريد قراءة العلاقة المعقدة بين السيرة والإبداع في الأدب العربي المعاصر. وفي ذكرى رجاء النقاش، يبدو هذا العمل تحديدًا شاهدًا على ناقد لم يكتفِ بوصف النصوص، بل سعى إلى فهم الإنسان الذي كتبها.