خلال زيارتي الأخيرة إلى تركيا، لم يكن الترحيب اللافت الذي حظيت به من المسؤولين الأتراك، ومؤسسات المجتمع المدني، والمواطنين، أمرًا عابرًا أو مجاملة بروتوكولية، بل كان انعكاسًا حقيقيًا لمرحلة جديدة من التقارب المصري–التركي، تقف خلفها جهود دؤوبة امتدت لأكثر من ثلاث سنوات ونصف من العمل المتواصل.
هذا المناخ الإيجابي الذي تُوِّج بالقمة المصرية–التركية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان، لم يأتِ من فراغ، وإنما كان ثمرة جهد واضح قاده السفير التركي بالقاهرة، صالح بيه موطلو شن، منذ صدور قرار وزارة الخارجية التركية بتكليفه سفيرًا لدى مصر في أبريل 2022، عقب قطيعة استمرت أكثر من تسع سنوات بين البلدين الكبيرين.
منذ اليوم الأول لتوليه مهامه، انتهج السفير صالح موطلو شن مسارًا مختلفًا في العمل الدبلوماسي، قائمًا على ما يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية الشعبية»، إيمانًا منه بأن ترسيخ العلاقات لا يقتصر على القنوات الرسمية وحدها، بل يتطلب بناء جسور ثقة وتواصل مباشر بين الشعبين الشقيقين، المصري والتركي، وبين حضارتين من أقدم حضارات العالم: مصر القديمة والأناضول.
ويكفي أن نشير إلى أن نجاح أعمال مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، الذي انعقد مؤخرًا في القاهرة، يقف خلفه نشاط مكثف استمر نحو 16 شهرًا، شهد أكثر من 50 زيارة متبادلة بين مسؤولي الجانبين، من بينها سبعة لقاءات مباشرة بين وزيري خارجية مصر وتركيا، وهو رقم غير مسبوق في وتيرته ودلالاته.
وعلى المستوى الاقتصادي، كان لافتًا حرص السفير التركي على المتابعة الميدانية المباشرة للاستثمارات التركية القائمة في مصر. وقد كنت شخصيًا حاضرًا ومشاركًا في معظم هذه الزيارات التي شملت قطاعات متعددة، من بينها النسيج، والطاقة، والكيماويات، وتجارة التجزئة. وشهدت عن قرب اجتماعات متواصلة عقدها السفير مع مسؤولين مصريين وممثلي مجتمع الأعمال التركي، بهدف تذليل أي عقبات تتعلق بالتراخيص أو الإقامات أو الإجراءات الإدارية، من خلال تواصل مباشر وشخصي، دون وسطاء أو قنوات بيروقراطية معقدة، بما يضمن سرعة النتائج وملموسيتها.
ولم يقتصر هذا الحراك على النطاق الرسمي أو الاقتصادي، بل امتد إلى تواصل مباشر بين السفير صالح موطلو شن وقطاعات واسعة من المجتمع المصري، شملت مثقفين، وفنانين، وإعلاميين، ومؤثرين، وهو ما أسهم في تهيئة أرضية شعبية داعمة لتقوية العلاقات الثنائية وترسيخها على أسس مستدامة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما كشف عنه السفير من سعي الشركات التركية إلى زيادة استثماراتها المباشرة في مصر، والتوسع بأعمالها لتصل إلى نحو نصف مليار دولار بحلول عام 2026، مدفوعة بسهولة الحصول على التمويل من جانب، وتسهيلات السلطات المصرية من جانب آخر، إضافة – في تقديري – إلى المتابعة الشخصية والفعّالة من السفير نفسه.
وقد برز اهتمام السفير خلال الفترة الماضية بمدينة العلمين الجديدة، حيث حرص على زيارتها أكثر من مرة، والعمل على جذب المستثمرين الأتراك إليها، والدعوة للاستثمار في رأس الحكمة، وتعريف مجتمع الأعمال التركي بحجم التطورات العمرانية والبنية التحتية المتقدمة التي تشهدها المنطقة. وهو ما يعكس وعيًا عميقًا لدى دبلوماسي مخضرم بأهمية دراسة السوق المصري جيدًا، وقراءة التحولات المتسارعة التي يشهدها.
هذه القراءة الدقيقة دفعت كذلك إلى اهتمام متزايد من جانب الشركات التركية بالاستثمار في قطاع الطيران، خاصة في ظل وجود نحو عشرة مطارات إقليمية جديدة في مصر، مفتوحة أمام عمليات التشغيل، وتمتلك آفاقًا واعدة مع تنامي تدفقات السياحة، لا سيما في العلمين، وشرم الشيخ، والأقصر. وهو ما يستدعي تحديث هذه المطارات وجذب الاستثمارات إليها، بالتوازي مع التوسع في الاستثمارات التركية بقطاع الفنادق والضيافة وإدارة وتشغيل المنشآت السياحية، خصوصًا في المثلث الممتد بين العلمين والإسكندرية، ومناطق أخرى واعدة.
وتبقى المهمة الأكثر تحديًا أمام السفير صالح موطلو شن هي العمل مع الجانب المصري على تحديث اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ورفع أرقام التبادل التجاري للوصول إلى الهدف الذي أعلنه مجلس التعاون الاستراتيجي، والمتمثل في 15 مليار دولار سنويًا. وهي مهمة صعبة بلا شك، لكنها ليست مستحيلة، في ضوء شخصية السفير، وقوة الدفع السياسي التي تحظى بها العلاقات المصرية–التركية من قيادتي البلدين.
كل التحية لرجل دولة ودبلوماسي محترف، أدرك مبكرًا أن بناء العلاقات الحقيقية يبدأ من الناس، ويمر عبر الاقتصاد، ويستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى.