داليا مجدي عبد الغني

سمو الترفع

السبت، 07 فبراير 2026 02:44 م


عندما يتعرض الإنسان  لموقف سخيف، فأول ما يُفكر فيه هو كيف يرد هذا الموقف، بمعنى أن مَنْ يتعرض للإهانة، يفكر في كيفية ردها لمَنْ أهانه، ومَنْ لا يلقَ الاهتمام المطلوب من الآخرين، يُفكر في تجاهلهم، ومَنْ يتعرض للأذى، يُفكر في رده، ربما لرغبة الإنسان في رد اعتباره، واسترداد حقوقه المسلوبة، وهذا شعور إنساني لا إرادي يصارع صاحبه من الداخل ويسيطر عليه، لأنه يشعر بأن كرامته تلزمه بأن يسلك سلوكًا إيجابيًا حيال نفسه، والحقيقة أن الغالبية العظمي تشجعه على ذلك بدعوى أن هذا هو السلوك المنطقي الذي يتماشى مع مجريات الموقف، لاسيما وأنه لابد أن يكون لكل فعل رد فعل، ولا يجب أن يقف الإنسان مكتوف الأيدي أمام ما يتعرض له من سلبيات ومواقف شائكة، خاصة وأن الإنسان بطبيعته يُؤْثر الإيجابية.

ولكن ألا نرى أننا أحيانًا نجد أنفسنا في مواقف لا تليق بأخلاقياتنا، ولا تُساير مبادئنا، بسبب إصرارنا على الحصول على حقوقنا بذات الطريقه التي سُلِبَتْ بها، حتى لو كانت هذه الطريقة لاتلائمنا على الإطلاق، وهنا سنجد أنفسنا نبدأ في التردي وانتهاج سلوك عشوائي يفتقر إلى العقل، فكم من مرة يتعرض أحد الأشخاص لنقد لا يمت للواقع بصلة، وكم من مرة يكون التهكم بلا مبرر هو انتهاج البعض مع زملائهم، وغيرها الكثير من المواقف الاستفزازية التي تُجبر صاحبها على التفكير خارج الإطار الإنساني المعهود بداخلهم، ولكن لو تفكر الإنسان بشيء من الهدوء والروية، سيجد أن الأفضل والأسلم هو الترفع عن سلوكيات الآخرين، وذلك بعدم التركيز معهم، أو حتى التفكير في رد إساءتهم بالإساءة، حتى لا يتحولوا ويخرجوا من جلودهم ويصيروا مثلهم، ويتشبهون بهم في تصرفاتهم وأفكارهم.

فلقد كان هناك رجل في كل صباح يلقي التحية على صاحب كشك، ويأخذ منه صحيفته المفضلة ويدفع ثمنها وينطلق، ولكن صاحب الكشك لم يرد التحية على الإطلاق، وكانت الناس تراه يوميًا على هذا الحال. وفي إحدى الأيام سأله أحد الزبائن: "لماذا تلقي التحية على صاحب الكشك يوميًا مع أنه لم يرد عليك السلام ولو مرة واحدة؟"، فقال الرجل: "وما الغريب في ذلك؟" فأجابه الناس: "إنك تُلقي التحية يوميًا على رجل لا يردها، وبلا شك رجل قليل الأدب، وهو لا يستحق أساسًا أن تُلقي عليه التحية"، فقال الرحل: "إذن هو برأيكم قليل الأدب"، قالوا: "نعم"، فقال الرجل: "هل تريدون مني أن أتعلم منه قلة الأدب، أم أعلمه الأدب؟".

فالمنطق هو أن يتصرف الإنسان وفقًا لأخلاقه وسلوكياته ومبادئه، ولا يسمح لأي شيء أن يجرفه ويحول تركيبته الإنسانية، والأحرى به أن يتجنب كل ما يسبب له القلق دون أن يحاول أن يتشبه بمَنْ ينتقدهم، حتى لا تتغرب عنه نفسه، وحتى لا تموت بداخله أجمل المعاني التي يُؤمن بها، ويتشكل بها وجدانه، ويجد نفسه بين طياتها.

ولا خلاف على أن الترفع عن بعض الأشياء لا يقلل من صاحبه، بل يسمو به فوق المواقف السلبية الشائكة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة