سامح قاسم يكتب: تحولات الجسد من التجربة إلى اللغة فى "معجم الحواس الناقصة"

السبت، 07 فبراير 2026 11:00 ص
سامح قاسم يكتب: تحولات الجسد من التجربة إلى اللغة فى "معجم الحواس الناقصة" ديوان معجم الحواس الناقصة

"تُمَسِكُ طفلةٌ لاهيةٌ بالجبلِ فى يدِها اليُمنى، وبالغابةِ فى يدِها اليُسرى،

وتَمُدُّ ذراعَيْها عن آخرِهما ناظرةً إلى أمِّها فى اعتداد. فتنهرها الأمّ:

لماذا تُباعدين بينهما؟"


يختار "معجم الحواس الناقصة" للشاعرعماد فؤاد أن يضع قارئه منذ عتبته الأولى أمام مشهد حسّى خالص، يتقدّم فيه اللمس بوصفه صيغة إدراك سابقة على اللغة، وسابقة على التنظيم المعرفي. اليد هنا لا تسعى إلى تثبيت العالم داخل قبضة، إنّها تترك الأشياء تتوزّع، وتتجاور، وتفيض. الغابة والجبل لا يُستدعيان كصورتين شعريتين فحسب، إنّهما كتلتان حسّيتان تحضران فى الثقل والامتداد، فى الكثرة التى تعجز اليد عن ضبطها.

بهذا المدخل، يعلن الديوان الصادر عن "ديوان" للنشر عن مشروعه: مساءلة فكرة الاكتمال الحسّي، والارتياب فى الحواس حين تُقدَّم باعتبارها أدوات معرفة مستقرة. الطفلة تمثّل الإدراك فى حالته الأولى، قبل أن يخضع للتقويم، وقبل أن يتعلّم آداب الإمساك. أمّا نهر الأمّ، فيمثّل دخول اللغة كسلطة تصحيح، تحاول إعادة توزيع الجسد داخل حدود مألوفة.
من هذه اللحظة، يتشكّل الديوان بوصفه كتابة ضدّ الطمأنينة. الحواس لا تعمل بكفاءة متّفق عليها، إنّها تتعب، تنحرف، وتنتج معرفة متقطّعة، وغير قابلة للتعميم. هذا النقص لا يظهر كعطب عارض، ولكن كشرط جمالى ومعرفي، يفتح القصيدة على احتمالات تأويل متعدّدة، ويمنح التجربة الشعرية عمقها الإنساني.

معجم الحواس  الناقصة
معجم الحواس الناقصة


تتقدّم النصوص لاحقًا لتعيد ترتيب سلّم الثقة بين الحواس، فيُنزَع الامتياز عن العقل واللمسة معًا، وتُمنح الرائحة مكانة مركزية:

"العقل واللمسة العفويّة يكذبان
أمّا الأنف فلا"

هذا الحكم الشعرى يمكن قراءته كإعلان عن تحوّل فى مفهوم المعرفة ذاته. الرائحة تعمل خارج السيطرة، وتتسرّب إلى الوعى دون وساطة، وتحمل أثر التجربة كما حدث. هنا، يصبح الأنف أداة مقاومة للتزييف، واستعادة للخبرة قبل إخضاعها للترتيب.
اللغة فى هذا الديوان تتحرّك وفق المنطق ذاته. الجملة لا تسعى إلى الإحاطة، ولا تطمح إلى إنتاج معنى مغلق. إنّها تترك فجوات مقصودة، وتشتغل على الانقطاع، وعلى الإيماءة الناقصة التى تدعو القارئ إلى المشاركة فى بناء الدلالة. هذا الخيار الأسلوبى يعكس وعيًا بحدود اللغة حين تحاول تمثيل التجربة الذاتية.
"معجم" عماد فؤاد يأتى كسجلّ للاختبارات الحسّية، ومحاولة لتدوين ما يتبقّى من العالم بعد أن تُرهَق الحواس. كلّ قصيدة تضيف مدخلًا جديدًا، غير مكتمل، قابلًا للتآكل، ومفتوحًا على إعادة القراءة. بهذا التراكم، يتشكّل الديوان كمشروع واحد، تتجاور فيه القصائد دون أن تنصهر فى وحدة شكلية صارمة.

تَجُرِّينِى خَلْفَكِ فِى المُحَلَّاتِ
وَأَنْتِ تَشْتَرِينَ مَلَابِسَكِ الجَدِيدَةَ
وَأَتْبَعُكِ مِثْلَ أَعْمَى
قَدَرَ لَهُ
أَنْ يَشْهَدَ الحَيَاةَ تَتَجَلَّى
فِى ثِيَابٍ مُخْتَلِفَةٍ.

يُعد هذا المقطع أحد أكثر مشاهد الديوان كثافة ودلالة، حيث تتحوّل الصورة إلى فعل يقوم على الاتّباع أكثر ممّا يقوم على الرؤية. الحركة هى جوهر المشهد: جرّ، سير، ومشاهدة غير متحكَّم بها. الذات لا تختار موقعها من الصورة، لكنها تُساق إليها، وتستقبل العالم عبر مسار حدّده آخر.
الصورة تتشكّل من وضعية مائلة، قوامها التبعيّة. عبارة "أَتْبَعُكِ مِثْلَ أَعْمَى" توصيف لحالة إدراك معلّقة السيادة. العمى يحيل إلى تعليق سلطة العين، وإزاحة فعل الرؤية عن موقع القرار. الذات ترى ضمن ترتيب مفروض، وبوتيرة لا تملك التحكّم بها.

سامح قاسم
سامح قاسم


المحلّات تظهر فضاءً بصريًا متحوّلًا، أشبه بممرّ من المشاهد المتلاحقة. الملابس الجديدة تُقدَّم تمثيلًا للحياة فى حال تبدّل دائم. الحياة تتجلّى فى السطح، فى القماش، فى تغيّر الصورة، حيث يفقد العمق امتيازه، ويغدو الظهور حدثًا متكرّرًا.
فى هذا السياق، تأتى الصورة بوصفها حدثًا عابرًا، قابلًا للاستبدال السريع. المشهد لا يستقرّ، والرؤية تنتقل من صورة إلى أخرى دون زمن كافٍ للاستيعاب. العين تُدفَع إلى الاستهلاك البصري، وتجد نفسها أمام فيض من التجلّيات المتلاحقة.
فعل الجرّ يتجاوز الحركة الجسدية، ويتحوّل إلى استعارة لعلاقة الذات بالعالم. الذات تستقبل العالم عبر اندفاع خارجي، والصورة تُفرض بوصفها مسارًا جاهزًا. الإدراك البصرى يغدو تجربة خضوع، تُختبر فيها حدود الاختيار، وحدود الحرية.
هذا التصوّر يعيد تحديد وظيفة الصورة داخل الديوان. الصورة مجال اختبار، حيث تُمتحن قدرة الذات على تحمّل فائض المرئي. العمى يغدو حالة حماية واهنة، تتيح المرور داخل المشهد دون الانغماس الكامل فى حدّته.
العلاقة بين الصورة واللغة تتّخذ شكلًا متقشّفًا. الجمل قصيرة، مقتصدة، تكتفى بتسجيل الحركة الأساسية، وتترك فراغات واسعة للقراءة. اللغة هنا لا تسعى إلى الإحاطة، وتعمل كأثرٍ يسير بمحاذاة الصورة.
بهذا التشكيل، تتحرك الذات فى "معجم الحواس الناقصة" داخل المشهد، تُساق، وتتأخّر، وتدرك عبر المرور. الرؤية هنا فعل يترك أثره فى الجسد، ويؤجّل اكتماله داخل العين.

سأضعُ النّأى فى بدايةِ اللحن
على أن تُرافقَهُ الطبولُ، وتنهيدةُ المنشد
تلك التى سيقطعُها نداؤهُ المجروح

هذا المقطع يضع الصوت فى حالة تشكّل أوّلي، حيث لا يظهر باعتباره حاملًا مباشرًا للمعنى، وإنّما كترتيب مسبق لمشهد سمعيّ.  النّاى فى البداية لا يؤسّس لحنًا بقدر ما يعلن جُرحه. إنّه صوت مهزوم منذ لحظته الأولى، يدخل إلى النصّ محمّلًا بالتأجيل، وبانتظار ما سيقطعه أو يعطّله.
الطبول، هنا، تظهر كقوّة مرافقة، تخلق توتّرًا سمعيًّا، وتشدّ الفضاء من حول الصوت الأساسي. ثمّ تأتى تنهيدة المنشد كزفرة عالقة بين النفس والصوت. التنهيدة هنا إشارة إلى أنّ ما سيأتى يمرّ عبر الجسد قبل أن يستقرّ فى اللغة.
النداء المجروح يقطع هذا التكوين، فيحوّل الصوت من بناء متدرّج إلى انقطاع مفاجئ. القطع هنا جوهرى فى فهم موقع الصوت داخل "معجم الحواس الناقصة". الصوت لا يستمرّ، ولا يكتمل، ولا يبلغ ذروته. إنّه يتعرّض للكسر، ويتحوّل إلى أثر بعد أن كان وعدًا. بهذا المعنى، يتأسّس الصوت فى الديوان بوصفه تجربة فقد لا تنشد الوصول.
ضمن هذا الأفق، يحتلّ الصوت موقعًا إشكاليًا فى النصوص. لا يظهر كوسيلة تواصل مكتملة، ولا حاملًا مطمئنًا للمعنى، بقدر ما هو رجع، بقايا حضور. القصائد لا تنشغل بالصوت فى لحظة صدوره، وإنّما بما يتركه خلفه، وبما يعلّقه فى الفراغ بعد انقطاعه.
منذ المقاطع الأولى التى تحضر فيها الإشارات السمعية، يبدو الصوت متردّدًا، محاطًا بهوامش واسعة من الصمت. الكلمات تصل كما لو أنّها عبرت مسافة طويلة، محمّلة بتعب الطريق، وبآثار الانكسارات والهزائم. هذا الاشتغال يجعل السمع حاسّة زمنية، ترتبط بالتأخّر، وبالاستعادة، وبالرجوع إلى ما انقطع قبل اكتماله.
فى هذا السياق، يفقد النداء وظيفته الإرشادية. لا يقود، ولا يدلّ، ولا يفتح طريقًا. إنّه يصل بعد فوات اللحظة، ويتحوّل إلى علامة على الغياب. الصوت، بهذا التحوّل، يصبح دليلًا على اختلال التزامن بين الذات والعالم.
يتقدّم الصمت شريكًا أساسيًا للصوت، كمساحة مشحونة تعمل داخل النصّ بفاعلية عالية. المسافات البيضاء، التوقّفات المفاجئة، الجمل التى تنتهى قبل اكتمالها، جميعها عناصر تبنى إيقاعًا قائمًا على الانقطاع. الصمت يحتفظ بما تعجز اللغة عن حمله، ويصون التجربة من الاستهلاك، ويمنح الصوت قيمته من خلال غيابه.
تتجاور الأصوات فى الديوان دون أن تنصهر فى نبرة واحدة. صوت الطفولة، وصوت الذاكرة، وصوت الجسد المتعب، وصوت الراوي. هذا التعدّد السمعى يعكس تشظّى التجربة، ويمنح النصّ عمقه، ويجعل الصوت مجال اختبار أكثر منه وسيلة إبلاغ.
فى هذا الإطار، يظهر عنوان الديوان نفسه بوصفه مفتاحًا سمعيًا. المعجم يوحى بالجمع والترتيب، غير أنّ الحواس الناقصة تخلخل هذا الوعد. الصوت يقدّم معرفة غير مكتملة، مشوبة بالصمت والانقطاع. هذا التوتّر بين الرغبة فى التعريف والعجز عن الإحاطة يمنح الديوان طاقته الأساسية.
تصل تجربة "معجم الحواس الناقصة" فى خواتيمها إلى منطقة تراكب، حيث تتقاطع آثار اللمس، والجسد، والصورة، والصوت، وتتجاور دون اندماج كامل. القصائد، بعد هذا المسار، تكشف عن مشروع قائم على مساءلة العلاقة مع العالم عبر حواس تعمل تحت الضغط، وتختبر حدودها مع كل مقطع. ما يتشكّل فى النهاية هو إحساس متراكم بأن التجربة الإنسانية تكمن فى مناطق النقص، وفى ما يتفلّت من التعريفات الجاهزة.
الديوان يقدّم الحواس فى حالة واعية بثقل ما مرّ بها. الإدراك يتحرّك هنا داخل مسافة غير مستقرة، حيث كل إحساس يحمل أثره دون ادّعاء اكتمال. هذا الاختيار يمنح النصّ صدقه، ويحرّر الكتابة من وهم السيطرة على التجربة أو الإحاطة بها.
بهذا المعنى، ينجح "معجم الحواس الناقصة" فى بناء كتابة تراهن على النقص كقيمة جمالية ومعرفية. الديوان يقترح رؤية مختلفة للعالم، رؤية تقبل التردّد، وتمنح للوهن والألم مكانهما المركزي. القراءة هنا تتحوّل مشاركة فى هذه الرؤية، ومسارًا يمرّ عبر الحواس المتعبة نحو فهم أعمق للتجربة الإنسانية فى توتّرها وانكشافها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة