بين سكون الصحراء الموحش وجلبة الأعراس الزائفة، تقف نيللى كريم فى فيلم "جوازة ولا جنازة" لتجسد واحدة من أعقد صور القدر الأنثوى. الفيلم الذى أخرجته أميرة دياب برؤية بصرية مدهشة، لا يقدم لنا قصة زواج تقليدية، بل يقدم تغريبة نفسية لامرأة اختارت أن تمشى فى جنازة أحلامها الخاصة لتعبر بعائلتها إلى بر الأمان المادي. هنا، نيللى كريم لا تمثل دور "تمارا" فحسب، بل تمثل الأنثى القربان التى تجد نفسها محاصرة بين فكى كماشة: ماض أرستقراطى لم يتبقَ منه سوى الذكريات، وحاضر رأسمالى جلف لا يعترف إلا بلغة الأرقام وسطوة "الدبّاح".
نيللى كريم: وجه يختصر تاريخ التضحية
فى "جوازة ولا جنازة"، تتخلى نيللى كريم عن أدوات الأداء التقليدية لتعيد اكتشاف لغة الصمت. "تمارا" ليست مجرد امرأة تخوض تجربة زواج ثانية، بل هى كائن مشروخ يحاول رتق ثقوب حياته بصفقة اجتماعية قاسية. أداء نيللى جاء مشحونا بالتوتر الخفي؛ فالعينان اللتان تلمعان بالدمع المحبوس تعكسان صراعا مريرا بين كبريائها كابنة طبقة كانت راقية، وبين ضرورتها كأم يجب أن تضحي.
التضحية فى هذا الفيلم ليست فعلا بطوليا بالمعنى الرومانسي، بل هى قدر يبدو وكأنه قدر حتمى لكل النساء فى مجتمعاتنا. تمارا تبيع روحها لـ "حسن الدبّاح" ليس رغبة فى ثرائه، بل لإنقاذ ابنها وحماية عائلتها من السقوط النهائى فى قاع الفقر. نيللى كريم هنا هى الأم التى تتحول إلى "جنازة" متحركة يوم زفافها، يسير الناس خلف جمالها المذهل بينما هى تشيع داخلها آخر أنفاس حريتها الشخصية.
الصحراء من منظور إخراجى: مسرح العرِى والمواجهة
أبدعت المخرجة أميرة دياب فى اختيار الصحراء لتكون البطل الثالث فى الفيلم. من منظور إخراجي، الصحراء هنا ليست مجرد خلفية جمالية، بل هى أداة تعرية. فى المدينة، يمكن لتمارا أن تختبئ خلف الجدران أو فى زحام الشوارع، لكن فى الصحراء، لا يوجد ظل للاختباء، حيث المساحات الشاسعة التى تضع الشخصيات فى مواجهة مباشرة مع فقرها الروحي. لقد نجحت الكاميرا فى تصوير الصحراء كمتاهة مفتوحة، حيث يتجلى التناقض الصارخ بين رقة تمارا وجفاف البيئة المحيطة، وبين نعومة الأرستقراطية الضائعة وخشونة المال الجديد. اختيار هذا المكان يعكس ذكاء إخراجيا فى خلق شعور باللا مفر؛ فبرغم الأفق الممتد، تشعر تمارا بالحصار التام، وكأن الرمال هى الكفن الذى يبتلع هويتها ببطء.
الجوازة كجنازة: حين يقتل المال المعنى
يطرح الفيلم فرضية صادمة: أحيانا يكون زفاف المرأة هو اللحظة التى يُعلن فيها موتها ككيان مستقل. بالنسبة لتمارا، فإن الاقتران بحسن الدبّاح هو انتحار اجتماعى مغلف بورق السلوفان اللامع. الجنازة هنا ليست للميت، بل للحى الذى يُجبر على العيش فى تابوت من الذهب.
هذه "الجوازة" هى فى الحقيقة احتفاء بانتصار الرأسمالية المتوحشة على القيم الإنسانية. المال هنا لا يشترى الرفاهية، بل يشترى السيادة. وعين أميرة دياب، بلمستها الأنثوية الرهيفة، لم تسقط فى فخ تمجيد هذا الثراء، بل ركزت على الكلفة الإنسانية له. نرى فى تفاصيل الفرح، فى الملابس، فى طريقة إعداد الولائم، كيف أن كل شيء مذبوح على مذبح المظاهر.
صراع الماضى والحاضر: الحبيب القديم كشبح
يزداد أداء نيللى كريم تعقيدا مع ظهور قصة حب من الماضي. هذا الظهور ليس مجرد خط درامي، بل هو اختبار للذاكرة. الحبيب القديم يمثل النسخة التى كان من الممكن أن تكون عليها تمارا لو لم يدهسها قطار التغيرات الطبقية. المواجهة بين تمارا وهذا الماضى فى قلب الصحراء كانت من أجمل مشاهد الفيلم؛ حيث تجلى العجز البشرى فى أقصى صوره.
الصحراء هنا لا تسمح بالأكاذيب؛ لذا كانت مواجهة تمارا مع حبيبها القديم بمثابة اعتراف أخير قبل الموت الاجتماعي. نيللى كريم استطاعت ببراعة أن تنقل للمشاهد ذلك الشعور بالندم الممزوج بالواجب، حيث القلب يشدها نحو الماضي، والمسؤولية تدفعها نحو محرقة "الدبّاح".
الرؤية الأنثوية: ما وراء الكواليس وبصمة المخرجة
لا يمكن فصل جماليات الفيلم عن كون صانعاته نساء (إخراجا وتأليفا). هناك حساسية خاصة فى التعامل مع جسد تمارا، ومع صمتها، ومع ترتيباتها الصغيرة ليوم الزفاف. الفيلم لا يصرخ، بل يهمس بالمأساة. المخرجة أميرة دياب قدمت صورة سينمائية خالية من الزيف، مهتمة بالمضمون الاجتماعى الذى يعيد تعريف الستر فى زمن المادة.
لقد استطاعت دياب أن تجعل من البلاك كوميدى وسيلة لتمرير أفكار شديدة القسوة. فالمفارقات بين عائلة تمارا وعائلة حسن تثير الضحك المر، الضحك الذى يسبق البكاء مباشرة. هذا النوع من السينما هو الذى يبقى، لأنه لا يغازل شباك التذاكر بإيفيهات رخيصة، بل يغازل وعى المشاهد بأسئلة وجودية.
تمارا.. رمز الطبقة التى انحنت للعاصفة
فى النهاية، تمارا ليست مجرد شخصية فى فيلم، بل هى رمز لطبقة اجتماعية كاملة (الطبقة المتوسطة العليا) التى وجدت نفسها فجأة بلا حماية أمام غول الرأسمالية. تضحية تمارا هى انعكاس لانكسار هذه الطبقة، واضطرارها لتسليم رايتها ل الأثرياء الجدد الذين لا يملكون من الثقافة سوى قدرة الشراء.
"جوازة ولا جنازة" هو مرثية بصرية قاسية، لعبت فيها نيللى كريم دور البطولة المطلقة ليس فقط بموهبتها، بل بصدق تعبيرها عن مأزق المرأة التى تضطر لتمثيل دور "العروس" بينما هى فى الحقيقة "المعزّى" الأول فى موتها الخاص. إنها سينما التفاصيل، وسينما الصدق، وسينما المواجهة فى أرض لا ترحم.. أرض الصحراء التى شهدت على زفاف انتهى قبل أن يبدأ، لأنه فى الحقيقة لم يكن سوى جنازة مهيبة لكرامة الإنسان أمام سطوة المال.