مؤكد أنه لا يمكن مواجهة ماكينة التطور، ولا يمكن وقف تطور العلم والتكنولوجيا، لكن في نفس الوقت، فالمؤكد أن هناك جوانب إيجابية، وأخرى سلبية أمتدرجة لكل تطور موجود، وكل علم يظهر للنور، غير أن تطورات الذكاء الاصطناعي لا يمكن حصرها في الجانب الايجابى فقط، فهناك ضرر واقع على البشرية بأكملها، وهو أعظم من كل فائدة، وقد يقول القائل إن كل ذلك تم ذكره ما قبل ظهور الكمبيوتر والانترنت ومحركات البحث، وغيرها من اشكال التكنولوجيا المتاحة، إلا أن الذكاء الاصطناعي يتفرد عن كل تلك الأمثلة بأن تطوره يمكن أن يقضى كليا على عدة سياقات هامة للغاية للبشرية، على سبيل المثال فكرة الإنتاج المعرفى، و الإبداع، وغيرها من أشكال الإنتاج في مساحة الأدب والعلوم الاجتماعية، وأشكال العلم ذات الصلة.
المدقق فيما يفعله الذكاء الاصطناعى، سيرى أنه يحلل مما تم انتاجه، ليخرج بمنتجات جديدة، كما يستشرف المستقبل مما قام بتحليله، أو حتى في حال الطلب منه مباشرة، فلو تخيلنا أن هذا الوضع استمر عشر سنوات، حينها سيلجأ العقل الاصطناعى لتوليد أنماطا تحليلية مغايرة، تعتمد على مرحلة ما قبل ظهور الذكاء الاصطناعى، في الفترة ما قبل 2026، كما أنه سيحاول خلط الأنماط الجديدة بعضها البعض، لأن حجم التغذية بالمعلومات قل تدريجيا، ولم يصبح أمامه متسعا سوى ذاكرته الناشئة عن الأنماط التي صنعها هو بنفسه، وهنا يكمن الخطر الداهم للعقل البشري، الذى كرمه الله بفكرة التفكير، والتحليل، والتدبر، والإنتاجية الإبداعية، فقد دخل طريق الذكاء الاصطناعى الملايين، كلا حسب ثقافته وخلفيته الاجتماعية والتعليمية، وهى زاوية أخرى جديرة بالتحليل، فهل هؤلاء الوافدون وسيلة لدعم تفكير العقل الاصطناعى، باعتبار أنهم كانوا خارج التسجيل والتوثيق أساسا، أم أن تغذية العقل الالكتروني بملايين السطحيات، سيتولد عنه نمط سطحى!!.
سيأتى شخصا ويقول " يعنى إنت عايز تقول إيه برضه"، سأقول بكل وضوح، أن الذكاء الاصطناعي بضاعته في مرحلة ما قبل هذا المقال، أما السنوات المقبلة، ومع قلة عدد القراء، وندرة المثقفين، والانشغال بالسوشيال ميديا، سيحدث فيما يعرف في العلم بنظرية " جناح الفراشة"، والتي يمكن فهمها ببساطة، أن حركة جناح الفراشة الطفيف الحادث الآن، سيحدث حركة كبيرة للغاية بعد فترة، وهو ما يمكن فهمه بسهولة في جمهور " تويتر" أو "إكس"، فذلك الجمهور تعود على " تويتات" صغيرة نسبيا في عدد الكلمات، ستجد هذا الجمهور غير متوافق مع التطبيقات الأخرى، التي يمكن أن تستوعب عدد كلمات أكبر في النص، وهو ما يمكن وصفه بتجريف "العقل السوشياليستى"، وهو ما يصنعه الذكاء الاصطناعى حاليا، الذى سيصنع عقولا غير قادرة على البحث والتحليل، بل هو يقدم المعلومة لهم بسهولة، ويلخص الكتب، ويقضى على متعة القراءة، والإنتاج البشرى المتعلق بالمهن ذات الصلة، ويخلق أنماط جافة في الطرح، تلك الأنماط ستتوافق مع بعضها البعض، لتنتج في النهاية أنماطا بعيدة كليا عن الواقع، وعن الأصل.
وفى تلك المسئولية يجب أن تستنهض همم أصحاب القرار، وأهل المسئولية، لتقدير الموقف، ووضع الاستراتيجيات الصلبة، حتى لا ينهار المجتمع كليا في عدة سنوات، ونستيقظ يوما لنجد أنفسنا أمام قطاعات بالملايين قررت أن تعطل عقلها، واستسلمت كليا للذكاء الاصطناعى، لدرجة أنها لن تقدر على إعادة تفعيل عقلها، مهما حاولت!.
وأخيرا.. إذا كان لك نفسا طويلا في استكمال هذا المقال، فما أقوله بشكل مباشر، هو وجوب وضرورة مواجهة الذكاء الاصطناعى، بصناعة مسارات واضحة للإنتاج الأدبى والعلمى، ودعم الإنتاج البشري الخالص، ووضع تحفيز مستمر لأهل الابداع، حتى لانجد أنفسنا في وقت من الأوقات نصنع معارضا للإنتاج الأدبي النادر، على غرار معارض الحرف والتراث، التي تحاول الحفاظ على ما تبقى منها.