اسمحوا لى بهذه التوطئة قبل البدء، وفى البدء كانت الكلمة.
فعلى هامش زيارتى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، والندوة التى كرّمنى فيها نخبة من الأكاديميين والنقاد فى مصر، عدت إلى فرنسا وأنا أحمل كلامًا فى وجداني، أردت أن أتقاسمه مع القراء.
دلفت إليها من بوابة الحب، فكان العشق مقدسًا.
هى أم الدنيا، ولا غرْو.
فالعميد طه حسين زينتها، والأمير أحمد شوقى تربع قصره بين أهرامها ونيلها، أما تاج مفخرتها فكان صاحب "خان الخليلي" نجيب محفوظ، الذى عبقت شوارع ذكراه بذاكرة أدبه العالمي.
هى مصر التاريخ، المتشابك مع جغرافيا فذة؛ تضاريسها شموخ فى وجه كل متحدٍّ لكبريائها، وهى احتواء لكل محب صبٍّ، هواه فى هواها، فأسلمته دلالها.
تاريخ خلّدته كل حبة تراب، ممزوجة بعرق الشرفاء منذ التكوين إلى يوم المزار هذا.
هناك، على أحجار رُصَّت بعضها فوق بعض فى حميمية لا تتبرج لك إلا إذا كنت ممن سكن العشق فى تلافيف ذواتهم، تقرأ العبقرية من غير تفسير لحروفها المنحوتة على جدرانها الضاربة فى عمق الوجود.
وهناك، على صفحة نيل ممتد من الأمل إلى الأمل، تشرب عيناك من نبيذ الحياة المختلط بصخبها.
وعلى صفحة مائه أيضًا، زهرة لوتس كانت حرف نون لقلم سطر الحياة لإله الشمس.
شمس، ماء، هواء، وتربة.. فى عناق فذ.
وأنت تتجول بين دفات تاريخها، تستقبلك السيدة عائشة فى بهاء كل نساء الدنيا، تعانق روحها روحك فى أبجديات ولهٍ إليه.
فيا ترى، ما بال السيدتين النائمتين فى سلام روح ممتد من الأرض إلى السماء: الست نفيسة، والست زينب؟
أما السيد الحسين، فكان اللقاء معه وسيلة، وما أعظم اللقاء.
قلعتها، حصن صلاح الدين الأيوبي، من كل خراب وافد أو متحفز أو نال التردد منه نصيبًا.
فهي، بجلال جمالها، تحاصر بصر كل مترصد، من أين كانت الوجهة.
بيد أنها الأمان لكل صاحب عهد ومروءة.
وبرجها يعاند السماء فى بهاء؛ تراه فى وجه النور منارة، وفى ليله يتكشف لك فى تفرد يهز وتر السمع فيك لأنك تراه.. أى لأنك تراه.
وأنت لن تمل من التملى بهذا البرج، برج القاهرة، الذى لا يضاهيه فى كبريائه إلا مقطم مصر الغالية على قلب كل عربي، وغير العربى ممن سكنتهم هذه المِصر الكبيرة.
أزهرها أزهرت شمائله فى أهل علمه وأثره؛ فهو صوت مئذنة، وقلب إيمان، وأركانه أسس متانة تثبت أرض الحبيبة من أن تميد.
أما كنائسها، فهى أجراس روح، صوتها يطبطب على القلوب المعمودة.
فأنت، وأنت تعانق صلبانها، ترى ألم الحب فى الحبيب.
كنائس تعانق مساجد فى حوار فريد، لا تفقهه لغة البارود والنار، وفقهته مصر الحبيبة فى احتواء أطيافها تحت لواء واحد.
قبورها لا تتكلم عن الموت؛ فلقد رأيت فى هندستها الحياة.
نعم، الحياة التى تنبعث مع كل إطلالة فجر.
متاحف وآثار تتناعم كسمفونية إبداع؛ فأين تولى الوجهة أيها الزائر؟
أزقة وشوارع تلملم ضياعك إذا تهت بين القصور.
أما كسرتها وخبزها وقهوتها، فلك أن تنحنى بكل حب، لتقول: "متشكرين على الجمال ده"، بالمصرى طبعًا.
طرقت أبواب مصر من السماء، ففتحت لى المدينة أبواب أهل أحبونى وأحببتهم.
هم الطيبة التى يتغنى بها كل وجه.
وفى يومياتهم البسيطة عظمة كبيرة.
بين اللهجة واللهجة، وعى عميق بالذات، وانفتاح مرحب بالآخر.
لتكن ما شئت أنت؛ فهم أنت، وأنت هم.
ليس يهم، طالما أنك دخلت أرض مصر من وحى الذات.
لكِ الله يا أرض الكنانة.
لكِ الله يا أرض مصر الأبية بنسائك ورجالك.
أما أنا، فاسمحى لى بحب نطقت به دمعة رجل لما اكتحلت عينه بجمالك.
عمر جلاب
كاتب وروائى وشاعر، خريج جامعة السوربون الفرنسية، ومن أعماله رواية "المدخل" الصادرة عن دار يسطرون.