ما إن بدأ القرن ال18 حتى ظهر المستشرقون المسيئون للنبي صلى الله عليه وسلم ورغم رد العلماء المسلمين عليهم، لكنهم كانوا يحتاجون إلى رد أقوى لإفحامهم، ولم يأتِ هذا الرد من شخص أفضل من الكاتب الاسكتلندي توماس كارليل، الذي توفي في مثل هذا اليوم، 5 فبراير 1881، إذ اتخذ من محمد -صلى الله عليه وسلم- نموذجًا للبطولة في كتابه الأبطال وحين ظهر في العالم العربي مؤيدون لأفكار الملحدين المسيئين للنبي، ردَّ عليهم الأديب والمفكر الراحل عباس العقاد في كتابه الشهير، عبقرية محمد، فجاء كتابه محلِّلاً لأفكارهم ورادًا عليها.
وقد ذكر العقاد في مقدمة كتابه أنه كان يتسامر مع بعض أصدقائه في ذكرى المولد النبوي، ويتحدثون عن كتاب الأبطال، وذكروا دفاع الرجل المستميت في كتابه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحين تقرأ تلك الواقعة، تجد نفسك تبحث في الأمر لتعرف ما الذي قاله ذاك الكاتب الاسكوتلندي، ليُفحِم أهل الشرق والغرب؟
قراءة سريعة عن شخصية الكاتب
حين تبحث في سيرة الكاتب الاسكوتلندي توماس كارلايل، تجد أن حسن بيانه، وبلاغته، وقوته في الدفاع عن الحق، وقدرته على إفحام مناظريه، كانت صفات ورثها عن أبيه، صاحب الشخصية القوية واللسان الفصيح، رغم كونه بناءً أميًّا، لم يتلقَ نصيبه من العلم، لكنه على قوة شخصيته، كان طيب القلب۔۔
أما توماس، فقد ورِث عن والده جزءً كبيرًا من صفاته الحسنة، ولعلها كانت سببًا في مثابرته لتحصيل العلوم، إذ درس علم المعادن، وهو من أصعب العلوم، فقد اضطرته دراسته لذاك العلم، إلى تعلم الألمانية.
ومن أبرز مؤلفاته:"الأبطال، الثورة الفرنسية، الماضي والحاضر، (سارتور رزارتوس)۔۔ فلسفة الملابس، سيرة كرومويل، تاريخ فريدريك ملك بروسيا".
الدفاع عن النبي
في كتابه الأبطال الذي ترجمه الكاتب الراحل محمد السباعي، تناول كارلايل نماذج متعددة للبطولة، كان من بينها البطل في صورة كاتب، والبطل في صورة شاعر، والبطل في صورة راهب، والبطل في صورة ملك… واستعان في بنموذج من كل مجال، كلوثر كينج، وبارنزو، ونابلوليون وغيرهم، لكن المثير للاهتمام، أنه كتب دفاعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب منفرد تحت عنوان: "البطل في صورة رسول۔۔ محمد۔۔ الإسلام"، وجاء في مقدمة هذا الباب:
"لسنا نعد محمداً قط رجلاً كاذباً متصنعاً يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغية، أو يطمح إلى درجة ملك أو سلطان أو غير ذلك من الحقائر والصغائر، وما الرسالة التي أداها إلا حق صراح، وما كلمته إلا صوت صادق صادر من العالم المجهول... كلا لم يكن محمد بالكاذب ولا الملفق، وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وهذه حقيقة تدمغ كل باطل وتدحض حجة القوم الكافرين…".
ثم تحدث عن الحجر الأسود، تمهيدًا لحديثه عن سيرة النبي ونشأته:
"ولد محمد (عليه الصلاة والسلام) عام 580 ميلادية، وكان من أسرة هاشم من قبيلة قريش، وقد مات أبوه عقب مولده، ولما بلغ عمره ستة أعوام توفيت أمه، وكان لها شهرة بالجمال والفضل والعقل، فقام عليه جد شيخ كان قد ناهز المئة من عمره، وكان صالحاً باراً، وكان ابنه عبد الله أحب أولاده إليه، فأبصرت عينه الهرمة في محمد صورة عبد الله، فأحب اليتيم الصغير بملء قلبه، وكان يقول ينبغي أن يُحسن القيام على ذلك الصبي الجميل الذي قد فاق سائر الأسرة والقبيلة حسناً وفضلاً، ولما حضرت الشيخ الوفاة والغلام لم يتجاوز العامين عهد به إلى أبي طالب أكبر أعمامه رأس الأسرة بعده، فرباه عمه وكان رجلاً عاقلاً كما يشهد بذلك كل دليل على أحسن نظام عربي…".
ثم تحدث عن صفات النبي ورد في هذا الجزء على بعض الافتراءات التي يقذف بها المستشرقون الدين الإسلامي:
"وقيل وكتب كثيراً في شهوانية الدين الإسلامي، وأرى كل ما قيل وكتب جوراً وظلماً، فإن الذي أباحه محمد مما تحرمه المسيحية لم يكن من تلقاء نفسه، وإنما كان جارياً متبعاً لدى العرب من قديم الأزل، وقد قلل محمد هذه الأشياء جهده، وجعل عليها من الحدود ما كان في إمكانه أن يُجعل، والدين المحمدي بعد ذلك ليس بالسهل ولا بالهين، وكيف ومعه كل ما تعلمون من الصوم والوضوء والقواعد الصعبة الشديدة من إقامة الصلاة خمساً في اليوم، والحرمان من الخمر. وليس كما يزعمون كان نجاح الإسلام وقبول الناس إياه لسهولته، لأنه من أفحش الطعن على بني آدم والقدح في أعراضهم أن يتهموا بأن الباعث لهم على محاولة الجلائل وإتيان الجسائم هو طلب الراحة واللذة والتماس الحلو من كل صنف في الدنيا والآخرة!".
لقد حاول الكاتب الدفاع عن الإسلام، وإن كانت بعض المعلومات تحتاج إلى المراجعة، لكنه حاول أن يرد عن هذا الدين بأسلوب حيادي، وبعين باحث، لا بعين محارب۔