وصلت رواية "الرائي" للكاتب العراقى ضياء جبيلى، ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربي (البوكر) لعام 2026، مقدمة مشروعًا سرديًا واسع الامتداد يستعيد تاريخ بلاد الرافدين عبر رحلة شخصية "دامو السومري"، من أفول دويلات سومر وصعود الأكديين، مرورًا ببابل وآشور، وصولًا إلى تحولات العقد الثانى من الألفية الثانية بعد الميلاد.
تصور سردي يتجاوز التتابع التاريخى التقليدي
وتطرح الرواية تصورًا سرديًا يتجاوز التتابع التاريخى التقليدي، إذ تعتمد بناءً فنيًا قائمًا على ستة "أسفار" تحاكى تطور أدوات الكتابة نفسها: الطين، والبرشمان، والبردي، والورق، والآلة الكاتبة، ثم الحاسوب. بهذا الاختيار، لا تبقى وسيلة التدوين إطارًا تقنيًا محايدًا، بل تتحول إلى عنصر دلالى موازٍ للحكاية، يربط بين الوقائع وطريقة تسجيلها، ويجعل سؤال الكتابة جزءًا من سؤال التاريخ.
ويقرأ متابعون هذا البناء بوصفه أحد أبرز عناصر تميز "الرائي" داخل دورة تُظهر ميلًا واضحًا إلى النصوص التى تمزج بين الذاكرة والهوية والعوالم الداخلية. فالرواية لا تستعيد الماضى بوصفه مادة أرشيفية، بل تستخدمه لتفكيك أسئلة الحاضر: كيف تُبنى الهوية فوق طبقات متراكمة من الانهيارات والنهوض؟ ومن يملك حق صياغة السردية الغالبة حين تتعدد الإمبراطوريات وتتبدل موازين القوة؟
كما يمنح هذا الطرح الرواية مساحة نقدية أوسع، لأنها تجمع بين الحكاية الكبرى والتجريب البنائى فى آنٍ واحد، وتقدّم التاريخ لا باعتباره "ما حدث" فقط، بل باعتباره أيضًا "ما كُتب" و"كيف كُتب". ومن هنا تبدو "الرائي" عملًا يفتح نقاشًا يتجاوز موسم الجوائز إلى أسئلة المعرفة والتمثيل والانحياز فى كتابة الماضي.
وبهذا المعنى، تقف "الرائي" عند تقاطع واضح بين الأدب والتاريخ ووعى الكتابة، وتؤكد أن الرواية العربية ما تزال قادرة على إنتاج نصوص كبرى تتعامل مع الزمن الطويل للمنطقة، من دون أن تفقد راهنيتها أو قدرتها على مساءلة الحاضر.

الرائي للكاتب العراقى ضياء جبيلى