يعد النوم آية كبرى من آيات الله الكونية التي منحها لعباده لترتاح فيها الأبدان وتستكين النفوس، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ﴾، لقد جعل الله الليل لباساً والنوم سباتاً، ليكون فاصلاً روحياً يذهب الكلال والتعب، ويمهد للإنسان نشاطاً جديداً في طلب الرزق مع خيوط النهار الأولى، وهو ما يفسره الإمام ابن كثير بأن النوم هو سكون الحركة وذهاب التعب، بينما النهار هو ميدان السعي والانتشار.
أدعية الثبات والتوحيد قبل المنام
يستهل المؤمن ليله بإعلان التوحيد، فمن قال حين يأوي إلى فراشه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير..» غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. ومن السنن الثابتة أن يجمع المسلم كفيه وينفث فيهما قارئاً "الإخلاص" و"المعوذتين"، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ثلاث مرات، اتباعاً لهدي النبي ﷺ الذي كان لا يترك هذا التحصين النبوي قبل رقاده.
هدي السنة في «مضجع النوم» وآيات الكفاية
أرشدنا النبي ﷺ إلى آداب رفيعة عند النوم، منها نفض الفراش ثلاثاً والتسمية، ثم الاضطجاع على الشق الأيمن وترديد دعاء التفويض: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه..». كما شدد العلماء على فضل قراءة آية الكرسي التي تجعل على الإنسان حافظاً من الله حتى يصبح، وقراءة الآيتين من آخر سورة البقرة؛ اللتين "كفتاه" من كل سوء، سواء كان ذلك من الآفات أو الشيطان أو كفتاه من قيام ليله كما أشار الإمام النووي.
تسبيح الزهراء وتفويض الأمر للخالق
ومن الوصايا الغالية ما علمه النبي ﷺ لعلي وفاطمة رضي الله عنهما، وهو التسبيح والتحميد (33 مرة) والتكبير (34 مرة) عند النوم، ليكون عوناً لهما على مشاق الحياة. ويُستحب أن يكون آخر ما يتلفظ به المؤمن هو دعاء التسليم المطلق: «اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك.. آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت»، فمن مات عليها مات على الفطرة، ليكون نومه عبادة وانتقاله – إن قُدر له – انتقالاً على الإيمان.
الاستعاذة من الفقر وقضاء الدين في سكون الليل
لا تقتصر أذكار النوم على التحصين من الشيطان فحسب، بل تمتد لتشمل إصلاح معايش العباد؛ فكان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم رب السماوات ورب الأرض.. اقضِ عنا الدين وأغننا من الفقر»، مع الاستعاذة بكلمات الله التامات وبراءة من الشرك بقراءة سورة "الكافرون". إن هذه المنظومة من الأذكار تجعل من النوم رحلة آمنة تبدأ باسم الله، وتستمر في حفظه، لتنتهي بحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.