كان الوقت فجر 5 فبراير، مثل هذا اليوم، 1975، حين بدأ الاستعداد لتشييع سيدة الغناء العربى أم كلثوم إلى مثواها الأخير، حيث أضيئت أنوار مستشفى المعادى للقوات المسلحة، وفتح الأطباء باب ثلاجة المستشفى لاستخراج الجثمان المحفوظ فيها منذ وفاتها يوم 3 فبراير 1975، حسبما تذكر جريدة الأهرام، يوم 6 فبراير 1975.
تكشف «الأهرام» أن سعدية ابنة شقيقة أم كلثوم منحت زجاجتى ماء زمزم للأطباء لغسل الجثمان، بعث بهما الأمير عبدالله الفيصل من السعودية، وتضيف الأهرام: «تم لف الجثمان فى 11 ثوبا، كان آخرها ثوب من الملس الأخضر الفلاحى الذى يرمز إلى الأرض التى نبتت منها صاحبة الاسم، وأصبحت أشهر فنانات زمانها».
تضيف الأهرام، أن الجثمان وصل إلى جامع عمر مكرم فى الساعة السادسة وعشر دقائق صباحا، وأغلقت الأبواب ولم يسمح لأحد بالدخول حتى أعيد فتح الأبواب وتوافد الناس، وفى الساعة العاشرة والنصف صباحا بدأت صلاة الجنازة، وأمَ المصلين الدكتور عبدالعزيز كامل نائب رئيس الوزراء ووزير الأوقاف، وبعدها أخليت قاعة المسجد مرة أخرى استعدادا لبدء الموكب الجنائزى، وفى الساعة الحادية عشرة، أعطيت الإشارة لفرقة موسيقى الأمن فانساب لحنها الجنائزى، وبدأت الجنازة فى التحرك من الجامع إلى ميدان التحرير وسط كتل من الألوف على الجانبين، تحولت فى لحظة واحدة إلى أياد ممتدة تلوح بمناديلها البيضاء وهديرها، والجميع يردد: «لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله».
كان كبار رجال الدولة والسفراء العرب على رأس الجنازة، يتقدمهم الدكتور عبدالعزيز حجازى رئيس الوزراء، والمهندس سيد مرعى رئيس مجلس الشعب، وحسن كامل مندوبا عن رئيس الجمهورية، والدكتور عزيز صدقى مساعد رئيس الجمهورية، وممدوح سالم نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، والدكتور عبدالعزيز كامل وزير الأوقاف، ويوسف السباعى وزير الثقافة، والدكتور كمال أبو المجد وزير الإعلام، وانصرفوا بعد أن أصر الجمهور على الاشتراك فى الجنازة، وكسروا الحواجز ليلتفوا حول الجثمان، وتزايد ضغوط الألوف حتى بلغ من ميدان التحرير إلى أقصاه فى شارع طلعت حرب.
تقدر «الأهرام» فى مانشيتها الرئيسى، أن مليون مواطن شاركوا فى الجنازة، وتذكر أن هدير الجماهير زاد مع تلويح المناديل البيضاء وسط هتافات: «مع السلامة.. مع السلامة يا ست.. مع السلامة يا ثومة.. يا صوت الشعب.. يا صوت الخير.. مع السلامة يا عظمة مصر»، وإلى جانب هذه الهتافات حمل مواطنون صورا ولافتات عليها صورها، وعبارات مثل «شهيدة العشق الإلهى» وغيرها.
كانت الأحزان رسمية وشعبية مصريا وعربيا، ولم تحدث لأى فنان سابقا ولاحقا فى التاريخ العربى، ففى 4 فبراير 1975، افتتح رئيس مجلس الشعب «البرلمان المصرى» سيد مرعى جلسات المجلس بكلمة عنها، وتحدثت النائبة فايدة كامل، والدكتور فؤاد محيى الدين وزير الصحة باسم الحكومة، كما توقفت مباراة الأهلى وبنى سويف فى الدورى العام دقيقة حدادا، وأكدت برقيات العزاء العربية على أن صوت أم كلثوم كان يوحد العرب، كما أكد الفنان صلاح جاهين فى كاريكاتيره المنشور فى الأهرام يوم 5 فبراير 1975 أنها رمز وثروة عربية، وتحت عنوان: «كل العرب فى القاهرة اليوم»، يصور الكاريكاتير رجلا يتحدث إلى رجل آخر يرمز به إلى العالم بوضعه للكرة الأرضية فوق رأسه، قائلا له: «عشان تعرف إن العرب عندهم حاجة تانية غير البترول».
وانهالت برقيات العزاء من الرؤساء والملوك العرب للرئيس السادات، من سوريا قال الرئيس حافظ الأسد فى برقيته: «كانت قمة شامخة فى الغناء العربى، أعطت من فنها الرفيع بسخاء للملايين من أبناء الأمة العربية، وأسعدتهم بصوتها الرخيم، وتغنت بالوطن العربى وخلدت بطولاته»، وقال الرئيس التونسى «الحبيب بورقيبة»: «عزاؤنا فيها واحد، وهو عزاء كل من كان يشعر بالاعتزاز عند سماع صوتها الجليل الخالد»، وقال محمود رياض أمين عام جامعة الدول العربية فى برقيته: «لن تموت أبدا الفنانة العظيمة التى خلقت أروع آيات الفن ومعجزاته الخالدة على الدهر، وجمعت حولها أسماع العرب وأفئدتهم».
وكان الكاتب الروائى نجيب محفوظ ينشر روايته «قلب الليل» مسلسلة على صفحات الأهرام، فتنازل عن المساحة المخصصة للراوية لصالح ما ينشر عن أم كلثوم، قائلا فى الصفحة الأخيرة للأهرام وبعنوان «قلب العالم العربى»: الفنان نوعان: فنان صاحب عبقرية فنية، وقد يكون فى الوقت نفسه إنسانا رديئا، وفنان صاحب عبقرية فنية وفى الوقت نفسه صاحب عظمة إنسانية، من النوع الثانى بيتهوفن وسارتر، وكانت أم كلثوم فنانة عبقرية وإنسانة عظيمة، تتبين عظمتها الإنسانية فى التزامها بالمبادئ السامية، مثل الأخلاق والوطنية والقومية والإنسانية، وهذا الهدير المزلزل الذى أحدثه صوتها والذى لا يكون عادة إلا للقادة والزعماء، وهى بذلك تمثل خير ما أعطته مصر للتاريخ، ألا وهو الفن الخالد والضمير الحى، وإنى أنزل بكل خشوع عن المساحة المخصصة لروايتى «قلب الليل» إلى «قلب العالم العربى».