قبل تسعة وعشرين عاماً، وفي أسبوعه الأول فوق هذا الكوكب، لم يكن الرضيع عبد الرحمن عوض الله جمعة يعلم أن "ارتفاعاً مفاجئاً في درجات الحرارة" سيكون هو الخصم الأول الذي سيغير مجرى حياته للأبد. تلك "السخونية" التي اجتاحت جسده الصغير، لم تكن مجرد عرض عابر، بل كانت زلزالاً مناخياً وجسدياً أثر على مراكز النطق والحركة، ليمضي عبد الرحمن سنواته الأربع الأولى "طريح الفراش"، يراقب العالم من نافذة الصبر، بينما ينفق والده (الأخصائي الاجتماعي) ووالدته (ربة المنزل) كل ما يملكان من مال وجهد ليعيدوا صياغة مستقبله من جديد.

عبد الرحمن عوض الله
بينما ننشغل جميعا بـ التقارير البيئية بمعرض الكتاب والوعي المستدام، تظل قصة عبد الرحمن عوض الله هو "التقرير الحي" لمعنى الصمود، هو لا يريد أن يكون "سراً" في ملفات المساعدات، بل يريد أن يكون "علناً" في سجلات المشتغلين والمنتجين.
ملامح بطل وخفة ظل تتحدى "تلعثم الكلمات"
من يقابل عبد الرحمن اليوم في رحاب مسجد الحسين، لا يرى إعاقة، بل يرى "طاقة نور"، تخبر الماره انه لا يتسول ولا يحتاج مساعدة مالية ، انه يمتلك ملامح مصرية سمحة، وابتسامة واسعة لا تفارق وجهه، وخفة ظل تجعل من التواصل معه تجربة مبهجة، باختصار يمتلك روحاً شفافة وعزيمة صلبة، بالرغم من أن الكلمات تخرج بجهد، إلا أنها تحمل روحاً متفائلة وعقلاً حاداً يرفض أن يُعامل كـ "حالة إنسانية"، فهو الشاب الذي إذا عرضت عليه مساعدة مادية، تأذت نفسه بشدة، فهو لا يرى في حالته عجزاً، بل يرى فيه "طاقة" تقوده نحو حلمه.
طريح الفراش لأربعة سنوات
يروى لك عبد الرحمن حكايته منذ أسابيع قليلة بعد ميلاده، حين داهمته حمى شديدة غيرت مسار حياته، فباتت حركته محدودة وكلماته تخرج ببطء، مما ألزم أهله فراش الرعاية لأربعة أعوام متواصلة في طفولته المبكرة، هو الابن الوحيد لوالديه اللذين كرسا كل ما يملكون من جهد ومال وصبر لتعافيه ورعايته.
الأب عوض الله، الأخصائي الاجتماعي، الذى استخدم كل خبراته في الدعم النفسي لابنه، بينما كانت الأم بمثابة الملجأ الدافئ الذي لا يعرف اليأس، وتمر الأيام حتى يصبح عمر عبد الرحمن 29 عاما وحيدا يأنس برواد سيدنا الحسين ، وبينما يعيش أحلامه البسيطة، تبدأ ملامح التغير المناخي في الظهور بشكل ملموس في القاهرة. موجات حر غير مسبوقة تضرب المدينة، وأيام الشتاء تصبح أقصر وأكثر تقلباً، وهطول أمطار غزيرة غير متوقعة حول منطقة الحسين.
"العدالة المناخية" في كشك صغير
هذه الظواهر المناخية تزيد من معاناة عبد الرحمن الجسدية، وارتفاع درجات الحرارة يؤثر عليه بشكل مباشر كونه لا يستطيع الحركة بسهولة، والأمطار المفاجئة تعيق وصوله إلى المسجد وتزيد من المخاطر، منها تزايد عدد الحالات المتأثرة بهذه التغيرات، سواء من كبار السن الذين يعانون من ضربات الشمس، أو الأسر الفقيرة التي تتأثر مساكنها بالفيضانات، أو حتى الباعة الجائلين الذين تتدمر بضاعتهم.
بكلمات بسيطة وفطنه ربانية يربط عبد الرحمن بذكائه المتقد، بين ما يشعر به وما يراه، يلاحظ تراجع عدد الزوار في الأيام شديدة الحرارة أو الأمطار الغزيرة، مما يؤثر على حركة البيع والشراء حول المسجد، ومن ثم يؤثر على أمله في تحقيق حلمه بالكشك.
الحسين ملاذ عبد الرحمن الروحي ونافذته على العالم
في قلب القاهرة التاريخية، وبالرغم من قيوده الجسدية، وجد عبد الرحمن ملاذه الروحي ونافذته على العالم في محيط مسجد الإمام الحسين، فيمكنك ان تراه في الساحة الخارجية للمسجد يوميا ، يستمع إلى تراتيل القرآن، يشاهد المصلين والزوار، ويستلهم السكينة من هذا المكان العتيق.
هناك يقف عبد الرحمن يراقب بتمعن باعة الشيبسيات والمشروبات الصغيرة، ويراوده حلم بسيط لكنه كبير في عينه، أن يمتلك كشكاً خاصاً به في رحاب الحسين، او اى مكان فى محيط القاهرة والجيزة يبيع فيه "الشيبسيات" ويسعد به الأطفال والمارة.
حلم الكشك ليس مجرد تجارة انما نافذة للاستقلالية
هذا الحلم، بالنسبة لعبد الرحمن ، ليس مجرد تجارة، بل هو نافذة للاستقلالية والتفاعل مع العالم، وطريقه ليثبت لنفسه وللآخرين أنه قادر على العطاء، دون ان يقف شاهداً على قسوة الظروف، و إن "الحرارة" التي كانت خصمه في الأسبوع الأول من عمره، لا تزال تلاحقه اليوم بموجات حر صيفية ترهق جسده الحساس، وبرد شتاء يتسرب إلى عظام أتعبتها الجراحة والألم.
ويقول عبد الرحمن بفخر، ان اسرته على اتم استعداد لمساعدة ابنهم الوحيد فى تحقيق حلمه، و يجمعان ما تبقي لهما من مدخرات، ليمكنوا عبد الرحمن من شراء بضاعة للكشك، لكن التحدي ليس فقط في البضاعة وانما فى اتاحة مكان للكشك،
التطبيق العملي لمفهوم "الإتاحة المكانية"
إن حلم عبد الرحمن بامتلاك كشك في محافظة الجيزة يبيع ويشتري فيه، هو التطبيق العملي لمفهوم "الإتاحة المكانية"، والعدالة المناخية، هو لا يطلب مالاً من المارة، بل يرفض نظرة الشفقة له حين يسير ويترنح فى الهواء لصعوبة الاتزان كعلامة احتياج، وانما يريد "مكاناً" مهيأً هندسياً وبيئياً يسمح له بالإنتاج ، كابن وحيد لأسرة استثمرت فيه كل طاقتها ليقف شامخاً، والآن يقع العبء على الإدارة المحلية لتحويل هذا الاستثمار الإنساني إلى نموذج "دمج مكاني" ناجح.
ومن هنا، تبرز مناشدتنا للمهندس عادل النجار، محافظ الجيزة؛ إن عبد الرحمن لا يطلب "منحة"، بل يطلب "إتاحة مكانية". يحلم بـ كشك يمارس فيه البيع والشراء (شيبسيات ومقرمشات)، كشك يمثل له "حصناً بيئياً" يحميه من تقلبات الطقس المتطرفة، ويوفر له الظل والكرامة، تخصيص هذا الكشك هو التطبيق الحقيقي لمبدأ "العدالة المناخية" لشاب سلبته الحرارة حركته، لكنها فشلت في سلب إرادته، فكرامة عبد الرحمن عوض الله جمعة في قرار إنه نموذج للشباب الذي يحب العمل
الاعتماد على النفس، و يحتاج فقط إلى "التمكين"، و "الكشك" الذي يحلم به في الجيزة حيث انه من قاطنى أرض اللواء. ليس مجرد جدران، بل هو "منصة استقلال" لشاب قرر أن يحارب الفصول الأربعة، وثقافة المجتمع، وتبعات المناخ، بضحكة مجلجلة وإصرار لا يلين.
عبد الرحمن في انتظار "قرار" لا "عطية"، فهل يجد حلمه مكاناً على خريطة الجيزة؟
عبد الرحمن عوض الله والزميلة منال العيسوى
عبد الرحمن عوض الله