أكتب هذه السطور من مدينة أنطاكيا، جنوب تركيا، عاصمة ولاية هاتاي، تلك المدينة العريقة التي تختزن في حجارتها وطرقاتها ذاكرة حضارية تمتد إلى ما قبل العصر الروماني، وتتقاطع زمنياً مع حضارة مصر القديمة. هنا، حيث تتجاور الحضارات وتتشابك الجغرافيا بالتاريخ، تستدعي الذاكرة واحدة من أقدم لحظات الدبلوماسية في تاريخ الإنسانية: معاهدة السلام التي جمعت الدولة الحثية في الأناضول بالدولة الفرعونية في مصر، ووقعها الملك الحثي خاتوشيلي الثالث والملك رمسيس الثاني عقب معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد. تلك المعاهدة لم تكن مجرد إنهاء لصراع عسكري، بل كانت إعلاناً مبكراً عن وعي سياسي بقيمة التفاهم، واحترام المصالح المتبادلة، وبناء السلام بين قوتين عظيمتين في الشرق القديم.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية المبكرة، لم تنقطع خيوط التواصل بين مصر والأناضول، بل أعيد نسجها عبر عصور متعددة. ففي العصور الإسلامية، وخاصة حتى العصر العباسي، عاش كثير من الأتراك في مصر، وأسهموا في تشكيل تاريخها السياسي والعسكري. وينتمي عدد من القادة والدول التي حكمت مصر إلى أصول تركية، من الطولونيين والإخشيديين، مروراً بالأيوبيين، وصولاً إلى دولة المماليك. وتمثل الدولة الطولونية، التي أسسها أحمد بن طولون في منتصف القرن الثالث الهجري، محطة فارقة في التاريخ المصري، إذ تُعد أول استقلال حقيقي لمصر عن الخلافة العباسية، وتميزت آنذاك بالاستقرار السياسي، والقوة العسكرية، والازدهار الاقتصادي، ما يعكس عمق التأثير المتبادل بين المصريين والأتراك في بناء الدولة وإدارة الحكم.
أما في العصر الحديث، فقد دخلت العلاقات المصرية–التركية طوراً جديداً مع نشأة الدولة الوطنية الحديثة في البلدين. بدأت العلاقات الدبلوماسية رسمياً بين الجمهورية التركية والدولة المصرية عام 1925 على مستوى القائم بالأعمال، ثم شهدت تطوراً مهماً بتوقيع معاهدة الصداقة بين البلدين في 7 أبريل 1937، وهي خطوة عكست رغبة مشتركة في تعزيز التعاون السياسي. وتعمقت هذه العلاقات أكثر مع زيارة وزير الخارجية التركي توفيق رشدي أراس إلى مصر بمناسبة دخول معاهدة الصداقة حيز التنفيذ في 1 أبريل 1938، لترتقي العلاقات بعدها إلى مستوى التمثيل الدبلوماسي الكامل بالسفراء عام 1948.
اليوم، ونحن نشهد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، وانعقاد مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، تتجدد الأسئلة حول دلالات هذه الزيارة وأبعادها السياسية والاقتصادية والإقليمية. تأتي هذه الخطوة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتسم بتحديات كبرى الشرق الأوسط، وقضايا الأمن الإقليمي، والطاقة، والاقتصاد، فضلاً عن التحولات في النظام الدولي. ومن هنا، فإن إعادة تفعيل آليات التعاون المؤسسي بين القاهرة وأنقرة تعبر عن إدراك متبادل بأن المصالح الاستراتيجية تفرض التنسيق والشراكة في مختلف الملفات والقضايا
إن مجلس التعاون الاستراتيجي يمثل إطاراً مهماً لترجمة الإرث التاريخي المشترك إلى سياسات عملية، تقوم على تعظيم المصالح الاقتصادية، وتوسيع آفاق التعاون في مجالات التجارة، والاستثمار، والطاقة، والسياحة، والثقافة. كما أن هذا المسار يعكس أفقا مستقبلا واعيا بين بلدين كبيرين وحضارتين عظيمتين. وهو ما تحتاجه المنطقة بشدة في ظل الأزمات المتلاحقة.
من أنطاكيا، حيث تتجاور الحضارات وتتشابك الأزمنة، تبدو زيارة اليوم وكأنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العلاقات المصرية–التركية، بدأت بمعاهدة سلام قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وتمر بمحطات من التعاون، لتصل اليوم إلى أفق الشراكة الاستراتيجية. إنها تذكير بأن الجغرافيا والتاريخ يفرضان على البلدين قدراً من التواصل، وأن المستقبل، مهما تعقدت تحدياته، يظل أكثر أمناً واستقراراً عندما يُبنى على الحوار والتفاهم والعمل المشترك.