عضو مجلس الشيوخ: الموبايل يهدم ما تبنيه الأسرة في دقائق
بناء الشخصية المصرية يبدأ من ضبط استخدام الهاتف
ترك الأطفال دون رقابة رقمية تفريط في مستقبل الدولة
الشريحة الذكية والتوعية والتشريع.. خطة ثلاثية لحماية الأطفال
لا تشريع بلا وعي ولا حماية بلا بدائل
الهاتف المحمول يعيد تشكيل وعي الأطفال دون رقابة
التكنولوجيا بلا ضوابط تهدد الهوية والقيم
مستقبل مصر يبدأ من ضبط شاشة الهاتف
كشف النائب مهاب مجاهد، عضو مجلس الشيوخ، والطبيب النفسي، والمستشار التعليمي المعروف، في حوار خاص لـ«اليوم السابع»، عن خطورة الهاتف المحمول على الأطفال، محذراً من التأثيرات النفسية والسلوكية العميقة للاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا على النشء، ومؤكداً أن ما يحدث حالياً يتجاوز كونه أزمة تربوية إلى تهديد مباشر لمستقبل المجتمع.
ووضع عضو مجلس الشيوخ روشتة متكاملة لحماية الأجيال الجديدة من مخاطر الإنترنت، ترتكز على الوعي الأسري، والتدخل التنفيذي، والتشريع القابل للتطبيق، مشدداً على أن بناء الشخصية المصرية يبدأ من حماية الطفل، وأن تركه فريسة للمحتوى المفتوح دون ضوابط يعني التفريط في أحد أهم مقومات الأمن المجتمعي.
وفيما يلى إلى نص الحوار:
دعني أبدأ من عبارتك اللافتة التي أثارت تفاعلاً واسعاً تحت قبة البرلمان: «الواقع أسوأ كثيراً من كل ما قيل»..ماذا كنت تقصد تحديداً بهذه الجملة؟
كنت أقصد أن ما نسمعه عادة في النقاشات العامة، سواء داخل البرلمان أو خارجه، لا يلامس حجم الخطر الحقيقي الذي نعيشه. أنا أتحدث هنا ليس فقط كنائب في مجلس الشيوخ، ولكن كطبيب نفسي ومتخصص تعامل لسنوات طويلة مع الأطفال والمراهقين والأسر.
الواقع الذي أراه في العيادات، وفي الشارع، وفي المدارس، وفي البيوت، أخطر بكثير مما يصل إلى مسامع أغلبنا، نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة أو ظاهرة مؤقتة، نحن أمام أزمة تمس جوهر المجتمع ومستقبل الدولة، ولهذا قلت بوضوح"ولادنا بيضيعوا منّا"
استخدمت تعبيراً شديد القسوة والصدق في الوقت نفسه: "ولادنا بيضيعوا منّا".. هل الأمر فعلاً وصل إلى هذه الدرجة؟
للأسف نعم، وبلا أي مبالغة،عندما تجد طفلاً فقد القدرة على التركيز، أو مراهقاً مشوش الهوية، أو شاباً لا يمتلك منظومة قيم واضحة، عليك أن تدرك أن ما نراه هو نتيجة تراكمية للتعرض غير المنضبط للتكنولوجيا، دون وعي أو رقابة أو بدائل، الخطورة ليست فقط في المحتوى السيئ، ولكن في الزمن المسروق من الطفولة، وفي العزلة، وفي تغييب الدور التربوي للأسرة والمدرسة، وفي إحلال الهاتف المحمول محل الأب والأم والمعلم.
لفت الانتباه أيضاً أنك لم تخاطب الحكومة فقط، بل خاطبت «الأب والأم» بشكل مباشر، لماذا اخترت هذا المدخل؟
لأنني تعمّدت أن أخرج من الإطار التقليدي للخطاب البرلماني، لا أريد أن يتحول الأمر إلى مشهد متكرر، نائب يطالب، وحكومة ترد، ثم ندخل في سجال حول المسؤوليات، أنا أردت أن أخاطب أعمق وأصدق صفة في كل إنسان فينا، وهي صفة الأب والأم، قبل أن نكون نواباً أو وزراء أو مسؤولين، نحن آباء وأمهات، وهذه الصفة هي خط الدفاع الأول عن أطفالنا، إذا غابت هذه الصفة أو ضعفت، فلن ينقذنا أي قانون.
تحدثت عن بناء الشخصية المصرية واعتبرته مستقبل البلد، ماذا تقصد بهذا المفهوم؟
بناء الشخصية المصرية ليس شعاراً إنشائياً، بل هو مشروع وطني متكامل، الشخصية تتكون من عنصرين أساسيين: هوية متينة، ومنظومة قيم سليمة، الهوية تعني أن يعرف الطفل من هو، وإلى أي مجتمع ينتمي، وما هي ثقافته وتاريخه. ومنظومة القيم تعني ما هو الصواب وما هو الخطأ، ما هو المقبول وما هو المرفوض، المشكلة أن التعرض غير المقنن للتكنولوجيا يهدم هذين العنصرين معاً في وقت قياسي.
استخدمت تشبيهاً مؤثراً حين قلت إن الأب والأم يبنيان «طوبتين» كل يوم، بينما الهاتف يهدم الجدار في خمس دقائق. هل هذا توصيف واقعي؟
هو توصيف واقعي جداً، وربما أقل من الواقع أيضاً. التربية عملية بطيئة وتراكمية، تحتاج صبراً ووعياً واستمرارية. في المقابل، الهاتف الذكي يقدم محتوى سريعاً، جذاباً، مصمماً خصيصاً لخطف الانتباه والتأثير النفسي والسلوكي، في دقائق معدودة، يمكن أن يتعرض الطفل لأفكار وسلوكيات وصور تهدم ما بُني على مدار شهور أو سنوات. وهذا ليس ذنب الطفل، بل مسؤوليتنا نحن.
أشرت إلى أن الدولة مسؤولة عن الطفل "حتى من أبويه" عبارة قد تبدو صادمة للبعض، ماذا تقصد بها؟
قد تبدو صادمة، لكنها حقيقة دستورية وأخلاقية. الطفل ليس ملكية خاصة، بل هو مواطن مستقبلي، الدولة مسؤولة عن حمايته من الإهمال، ومن الاستغلال، ومن الأذى، حتى لو جاء هذا الأذى بحسن نية من الأسرة، حين يترك طفل لساعات طويلة أمام شاشة بلا رقابة، فهذه ليست حرية، بل إهمال، والدولة مطالبة بالتدخل عبر سياسات وحماية وتشريعات ذكية.
دعنا ننتقل إلى المحاور الثلاثة التي طرحتها، نبدأ بالمحور التوعوي، لماذا تعتبره الأهم؟
لأنه الأساس، لا تشريع سينجح دون وعي، ولا إجراء تنفيذي سيُحترم دون اقتناع، نحن بحاجة إلى حملة توعوية حقيقية، ممنهجة، مستمرة، تشارك فيها كل مؤسسات الدولة، من التعليم إلى الإعلام إلى المؤسسات الدينية والثقافية، نحن لا نحتاج إعلانات موسمية أو فواصل رمضانية وتنتهي القصة، نحتاج مشروع وعي وطني يعيد للأسرة دورها، ويشرح المخاطر بلغة بسيطة وصادقة.
هل ترى أن الجهود التوعوية الحالية غير كافية؟
بصراحة نعم، الجهود متفرقة، وغير منسقة، وأحياناً شكلية، الوعي لا يُبنى بقرار، ولا بحملة عابرة، الوعي يُبنى بتكرار الرسالة، وبربطها بحياة الناس اليومية، وباستخدام أدوات حديثة تنافس ما يراه الطفل على هاتفه، إذا لم نقدم بديلاً مقنعاً، سنخسر المعركة.
المحور الثاني كان المحور التنفيذي، وتحديداً «شريحة الأطفال»، ما أهمية هذا المقترح؟
هذا المحور بالغ الأهمية لأنه يقدم حلاً عملياً، شريحة الأطفال تعني تقنين ما يصل إلى الطفل من محتوى، دون حرمان كامل أو منع مطلق، نحن لا نستطيع أن نعيش خارج العصر، ولا أن نحرم أطفالنا من التكنولوجيا، لكن يمكننا أن نضع حدوداً ذكية تحميهم، الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لديه مشروع قائم في هذا الصدد وتجارب دولية للإسترشاد بها عن آليات التنفيذ.
وطالبت بالإسراع في تنفيذ هذا المشروع شديد الأهمية، حتى يتسنى لنا محاسبة الشركات في حالة تخصيص شريحة لشخص دون تسجيل الرقم القومي والتأكد من هوية وعُمر المستخدم.
هل تعتقد أن هذا الإجراء كافٍ وحده؟
لا، بالتأكيد لا، هو جزء من منظومة، أي إجراء تنفيذي بلا وعي أسري سيفشل، وأي تشريع بلا أدوات تنفيذ سيبقى حبراً على ورق، شريحة الأطفال مهمة، لكنها تحتاج متابعة، وتحديث، وتكامل مع التوعية الأسرية والمدرسية والمجتمعية.
نصل إلى المحور الثالث، التشريعي. رغم أهميته، بدا وكأنك تحذر من البدء به لماذا؟
لأننا في مصر لدينا تجارب كثيرة مع تشريعات جيدة على الورق، لكنها لا تطبق على الأرض، أنا لا أرفض التشريع، بالعكس، أراه ضرورياً، لكن في التوقيت الصحيح، بعد الوعي، وبعد توفير البدائل التنفيذية، يأتي القانون ليُنظم ويضبط، أما البدء بالقانون فقط، فسنكرر أخطاء الماضي.
كيف ترى دور مجلس الشيوخ في هذا الملف، خاصة أنه ناقش مؤخراً قضايا مرتبطة بحماية الأطفال والوعي الرقمي؟
مجلس الشيوخ له دور فكري وتشريعي مهم، وهو منصة للنقاش العميق بعيداً عن الاستقطاب. المناقشات التي جرت مؤخراً تعكس إدراكاً متزايداً لحجم التحدي، وهناك تنوع في الرؤى والخبرات، المطلوب الآن هو ترجمة هذه النقاشات إلى سياسات متكاملة، بالتنسيق مع الحكومة.
في ختام الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها للأسر المصرية؟
رسالتي بسيطة وصادقة، لا تتركوا أبناءكم وحدهم في مواجهة هذا العالم الرقمي المعقد. خصصوا وقتاً، اسألوا، راقبوا، وكونوا حاضرين بالحوار والاحتواء قبل المنع والعقاب.
وما رسالتك لصانع القرار؟
ج: حماية الطفل هي استثمار في مستقبل الدولة، أي تأخير في التعامل مع هذا الملف سيدفع ثمنه المجتمع كله، نحتاج تنسيق مؤسسي ورؤية شاملة. ولعل توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات عيد الشرطة عن ضرورة التحرك السريع نحو حماية أطفالنا من مخاطر الاستخدام الخاطئ للتكنولوچيا والذكاء الاصطناعي، تكون شرارة الانطلاق لتتحرك كل مؤسسات الدولة في الاتجاه الصحيح. الإرادة السياسية الصادقة متوفرة بشكل قاطع وحازم وشديد الوضوح ويبقى علينا جميعاً الإجتهاد والإخلاص في التنفيذ.