يحتفل عمال مصر فى الثلاثين من يناير من كل عام بذكرى تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر (1957-2026)، حيث يمر هذا العام الذكرى التاسعة والستين لتأسيس الاتحاد، و تمثل هذه المناسبة رصدا لمسيرة أقدم وأكبر تنظيم نقابي في المنطقة العربية وإفريقيا، والذي لم يكن مجرد كيان مهني، بل كان شريكا أصيلا في صياغة التاريخ السياسي والاقتصادي لمصر الحديثة، ومظلة قانونية لتروس الإنتاج في البلاد.
كفاح النشأة
لم تكن نشأة الاتحاد في عام 1957 وليدة الصدفة، بل كانت تتويجا لنضال بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ بداية من تأسيس أول نقابة لعمال "لف السجائر" عام 1899، مرارا بمحاولات التجمع في عشرينيات القرن الماضي التي واجهت تضييقا من الاحتلال، ومع قيام ثورة يوليو 1952، برزت الحاجة الماسة لتوحيد جهود الحركة العمالية المشتتة، ليخرج الاتحاد إلى النور في 30 يناير 1957، برئاسة النقابي الراحل أنور سلامة، ككيان مركزي يجمع النقابات العامة تحت راية واحدة.
عبد الناصر والاتحاد
شكلت حقبة الخمسينيات والستينيات المرحلة الذهبية لتوطيد العلاقة بين الدولة والحركة النقابية، حيث آمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بأن العمال هم "قوى الشعب العاملة" والركيزة الأساسية لحماية مكتسبات الثورة، وتجسدت هذه العلاقة في خطوات عملية بدأت بوضع حجر الأساس لمبنى الاتحاد الحالي في "90 شارع الجلاء" خلال شهر ديسمبر 1962، أراد ناصر لهذا المبنى أن يكون أكثر من مجرد مقر إداري؛ بل صممه ليكون "برلمانا عماليا" ومركزا لتوحيد صفوف العمال بعد عقود من التشتت النقابي، مما جعل من هذا العنوان رمزا تاريخيا للهوية العمالية المصرية.
وفى خطاباته المتعددة من فوق منابر الاتحاد، رسخ ناصر فلسفة جديدة غيرت وضع العامل المصري من "مجرد أجير" إلى "شريك أصيل في الإنتاج"، وكان من أبرز تجليات هذه الفلسفة إقرار عيد العمال كعطلة رسمية مدفوعة الأجر لأول مرة عام 1964، حيث أصبح خطاب الرئيس في الأول من مايو من كل عام منصة لإعلان مكتسبات تشريعية واقتصادية كبرى، ومن خلال هذا التحالف بين القيادة السياسية والاتحاد، صدرت حزمة من القوانين التاريخية، شملت إشراك العمال في أرباح الشركات بنسبة 25%، وضمان تمثيلهم في مجالس الإدارة، وتحديد ساعات العمل بسبع ساعات يوميا، بالإضافة إلى وضع النواة الأولى لنظام التأمين الصحي والاجتماعي الشامل.
لم يقتصر دور الاتحاد في عهد ناصر على الجانب المطلبي، بل كان شريكا في رسم السياسة الاقتصادية للدولة خلال مرحلة التحول الاشتراكي وبناء القلاع الصناعية الكبرى، وقد عكس خطاب ناصر الشهير في "شبرا الخيمة" هذه الرؤية حين أكد أن كرامة الوطن من كرامة العامل، مشددا على أن المصانع التي شيدها العمال هي السلاح الحقيقي للتنمية والاستقلال.
تطور الاتحاد من حيث البنية التنظيمية ليتكون من 27 نقابة عامة تمثل قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة، وصولا إلى القاعدة العمالية في اللجان النقابية بالمنشآت، وعلى الصعيد التشريعي، لعب الاتحاد دورا محوريا في إقرار نسبة "ال 50% عمال وفلاحين" في المجالس البرلمانية المنتخبة لسنوات طويلة، ما أتاح للعمال المشاركة المباشرة في صنع القرار، كما استمر هذا الدور في العصر الحديث من خلال المساعدة في صياغة قانون المنظمات النقابية رقم 213 لسنة 2017، الذي نظم العمل النقابي بما يتوافق مع المعايير الدولية والتحولات الاقتصادية الحالية.
بصمات نقابية
على مدار قرابة سبعة عقود، تعاقب على رئاسة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر قامات نقابية كانوا شركاء في صنع القرار الوطني ومثلوا حلقة الوصل الأقوى بين "ورشة العمل" و"طاولة الحكومة"، وتأتي في مقدمة هذه الأسماء أنور سلامة، أول رئيس للاتحاد عام 1957، والذي خلد اسمه كأول عامل يكسر الحاجز الطبقي ليصبح وزيرا للعمل، مرسيا بذلك قاعدة أن القيادة النقابية هي مدرسة لتخريج رجال الدولة.
كما شهدت الحقبة الذهبية للاتحاد قيادات تاريخية مثل أحمد فهيم، وعبد اللطيف بلطية، وصلاح غريب، الذين قادوا التنظيم النقابي في مراحل التحولات الكبرى وحروب الاستعادة، وجمع العديد منهم بين رئاسة الاتحاد وحقيبة وزارة القوى العاملة، مما أعطى لعمال مصر صوتا مسموعا داخل مجلس الوزراء، واستمرت هذه المسيرة مع قيادات أثرت العمل البرلماني والنقابي بفضل خبراتها الطويلة، مثل سعد محمد أحمد، وأحمد العماوي، وصولا إلى السيد راشد، وجبالي المراغي،
الاتحاد في الأزمات الوطنية
ارتبط تاريخ الاتحاد بالأحداث الوطنية الكبرى؛ ففي سنوات حرب الاستنزاف، كان للعمال دور بطولي في بناء حائط الصواريخ تحت القصف، وهو ما رسخ مفهوم أن العمال هم "الجيش الثاني" لمصر، وخلال حرب أكتوبر 1973، قاد الاتحاد حملات "الإنتاج من أجل المعركة"، حيث استمرت المصانع في العمل بورديات إضافية تطوعية لدعم المجهود الحربي، مما أثبت أن الدور النقابي يتجاوز المطالب الفئوية إلى الحفاظ على كيان الدولة.
لم يكن عمال مصر بمعزل عن الحراك الشعبي الكبير في ثورة 25 يناير 2011؛ فكانت مطالب "العدالة الاجتماعية" التي رفعتها الثورة هي في جوهرها مطالب عمالية نادى بها الاتحاد ونقاباته لسنوات، ورغم التحديات التنظيمية التي شهدتها تلك الفترة، ظل العمال في مواقع الإنتاج حريصين على استمرار عجلة الاقتصاد رغم الاضطرابات.
ومع حلول ثورة 30 يونيو 2013، اتخذ الاتحاد العام لنقابات عمال مصر موقفا وطنيا منحازا لإرادة الشعب، حيث شاركت القواعد العمالية بكثافة في الميادين استشعارا منها للخطر الذي هدد هوية الدولة المصرية واستقرار مؤسساتها الصناعية، معتبرين أن استعادة الدولة هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على حقوق الشغيلة.
مع انطلاق مسيرة "الجمهورية الجديدة" بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، انتقل دور الاتحاد من "المطالبة" إلى "الشراكة الكاملة" في معركة البناء، فقد أصبح العمال هم السواعد التي شيدت المشروعات القومية الكبرى، من قناة السويس الجديدة وصولا إلى المدن الذكية والمصانع العملاقة، فضلا عن التطوير الصناعي، من خلال المساهمة بآراء فنية في خطط تطوير شركات قطاع الأعمال العام لضمان التحديث دون المساس بحقوق العاملين.
مواقف تاريخية دولية وعربية
امتد دور الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، ليكون فاعلا في محيطه العربي والدولي، فمنذ جهود التأسيس الأولى، وتحديدا خلال عدوان 1956، نجحت القيادات النقابية المصرية في تحريك جبهة عمالية عربية واسعة لمقاطعة السفن والطائرات التابعة لدول العدوان، مما أثبت قدرة التنظيم النقابي على التأثير في مجريات الأحداث السياسية الكبرى، هذا الدور الريادي توج بمساهمة مصر الأساسية في تأسيس "الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب" ومقره القاهرة، ليكون منصة موحدة للدفاع عن القضايا العربية العادلة.
وعلى الصعيد الأفريقي، اضطلع الاتحاد بدور حيوي في دعم حركات التحرر الوطني خلال حقبة الستينيات؛ حيث تحولت القاهرة إلى مركز لتدريب وتأهيل الكوادر النقابية الأفريقية الساعية لاستقلال بلادها من الاستعمار، وشارك الاتحاد بفاعلية كعضو مؤسس في "منظمة الوحدة النقابية الأفريقية"، وتبنى مواقف حازمة في المحافل الدولية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مما عزز من القوة الناعمة لمصر داخل القارة السمراء، وربط الحركة العمالية المصرية بعمقها الإفريقي عبر نضال مشترك من أجل التحرر والتنمية.
أما على الساحة الدولية، فقد ظل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر صوتا ثابتا في "منظمة العمل الدولية" (ILO) بجنيف، ممثلا للمصالح العمالية للدول النامية، واستخدم الاتحاد ثقله الدولي لسنوات طويلة للدفاع عن حقوق العمال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مسلطا الضوء على الانتهاكات التي يتعرضون لها، ومتمسكا بالثوابت الوطنية تجاه القضية الفلسطينية.
هذا الوجود الدولي المستمر مكن النقابيين المصريين من قيادة العديد من اللجان العمالية العالمية، مما رسخ مكانة الاتحاد كشريك أصيل في صياغة السياسات العمالية الدولية والارتقاء بمعايير العمل الإنساني.
وانفرد الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بتأسيس مؤسسات لم تقتصر على الجانب الخدمي، بل امتدت للجانب المعرفي، فأنشأ المؤسسة الثقافية العمالية عام 1960، وأتبعها بالجامعة العمالية، التي كانت تجربة رائدة في الشرق الأوسط لتقديم تعليم فني وإداري متخصص للكوادر العمالية، كما أولى الاتحاد اهتماما خاصا بالمرأة العاملة من خلال سكرتارية متخصصة نجحت عبر العقود في انتزاع حقوق تشريعية هامة تتعلق بحماية الأمومة وساعات العمل، لضمان مشاركة فاعلة للمرأة في سوق العمل.
"الجمهورية الجديدة"
مع انطلاق ملامح "الجمهورية الجديدة" بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، انتقلت العلاقة بين الدولة والاتحاد العام لنقابات عمال مصر إلى مسار "الشراكة في التنمية الشاملة"؛ حيث اعتمدت الدولة على سواعد العمال كركيزة أساسية في تشييد المشروعات القومية الكبرى، بدءا من العاصمة الإدارية وصولا إلى تطوير القلاع الصناعية التاريخية، وقد تجلت هذه الشراكة في تقدير الدور المحوري للعمال كقوة ضاربة في دفع عجلة الإنتاج وضمان استقرار الاقتصاد الوطني في مواجهة التحديات العالمية.
وعلى الصعيد التشريعي، شهدت هذه المرحلة تحديثا جوهريا بإصدار القانون رقم 213 لسنة 2017 بشأن المنظمات النقابية، والذي استهدف مواءمة العمل النقابي المصري مع المعايير الدولية والاتفاقيات التي صدقت عليها مصر، وقد ساهم هذا القانون في تعزيز استقلالية التنظيم النقابي وتطوير قدرته على تمثيل العمال بشكل عصري يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، مما أتاح للاتحاد دورا أكثر فاعلية في صياغة السياسات العمالية.
وفيما يخص ملف الحماية الاجتماعية، ركزت توجهات الدولة في هذا العهد على تحسين المستوى المعيشي للعامل عبر زيادات متتالية ومستمرة في الحد الأدنى للأجور لمواكب المتغيرات الاقتصادية، كما أعطي اهتمام استثنائي لملف "العمالة غير المنتظمة"، حيث وجه الرئيس بإنشاء صندوق مخصص لإعانتهم وتوفير الرعاية لهم، مع السعي لدمجهم في منظومة التأمين الصحي والاجتماعي الشامل، لتوفير مظلة أمان حقيقية لهذه الفئة التي تمثل قطاعا كبيرا من الشغيلة المصرية.
كما استمر النهج فى التواصل مع الاتحاد من خلال حرص الرئيس السيسي على حضور الاحتفال السنوي بعيد العمال وتكريم الرموز النقابية، مع فتح قنوات الحوار المباشر بين الحكومة والاتحاد لمناقشة مسودة "قانون العمل الجديد" قبل إقراره، بهدف الوصول لصيغة قانونية متوازنة تضمن حقوق العمال وتلبي في الوقت نفسه متطلبات بيئة الاستثمار، بما يعزز من مفهوم "التحالف الوطني" الذي يجمع بين طموحات التنمية الاقتصادية ومبادئ العدالة الاجتماعية.