صبرى زمزم يكتب: رواية "بنات القمر" لإيناس سيد جعيتم السحر الفرعونى بين عصرين

الثلاثاء، 03 فبراير 2026 07:00 ص
صبرى زمزم يكتب: رواية "بنات القمر" لإيناس سيد جعيتم السحر الفرعونى بين عصرين رواية بنات القمر

هذه الرواية لا تحوي قصةً واحدةً، بل إنها رواية مزدوجة تدور أحداثها بين رحى قصتين مختلفتين تمامًا، لكل واحدةٍ منهما زمنها ومكانها وشخوصها، بين شخصياتٍ أساسية وأخرى ثانوية لها تأثيرها في الأحداث، ولا غنى عن أيٍّ منها.

في زمنٍ قريبٍ منا، تدور إحدى القصتين في ريف مصر، أبطالها لهم أسماء متداولة مثل: قمر، وأمّ الخير، وأبو خديجة، وأمّ خديجة، والزوج محمد.

أمّا القصة الأخرى فهي أقرب إلى أن تكون أسطورةً فرعونية تدور في أحد عصور الفراعنة العتيقة، يلعب السحر فيها دور البطولة مع باقي الأبطال: سِنت إيعج وزوجها إيزي، التاجر الثري الذي يدفعها لتعلم السحر في المعبد مع ورماعو كبير الكهنة، على أمل الوصول إلى سر التعويذة التي تحمي تجارته من الخسارة أو الكساد فتزداد ثروته ونفوذه. وفي مقابل ذلك يتغاضى عن تطور العلاقة بين زوجته والكاهن الساحر الذي يعلمها فنون السحر حتى تصل إلى مرحلةٍ يستخدمها فيها لفتح المجالات المغلقة. وبرغم علمه بخيانة زوجته له عبر عيونٍ له، يتغاضى عن هذا ويعتبره ثمنًا لما سيجنيه من وراء سحرها، ولكن ثائرته تثور عندما يتأكد أنها وصلت إلى المرحلة المتقدمة من السحر وإنكارها لذلك، حتى لا تفيده بشيء مما تعلمته؛ فيقرر قتلها وقتل الكاهن الساحر.

بنات القمر
بنات القمر

ويستخدمان سحرهما في الخروج من جسديهما لتحل روحاهما في شخصيتين من شخصيات القصة الأخرى، فيحل ورماعو في جسد أم الخير، القابلة العجوز التي سعت لإجراء عملية الولادة لخديجة التي تعسرت ولادتها بشكلٍ غير طبيعي، لحضور ورماعو الذي يسكن القابلة، على حلول روح سِنت في المولودة "قمرة" التي كانت ولادتها على هذا النحو غريبةً استرعت انتباه أمّها وأبيها من جمالها وسرعة نموها وتطورها في نطق الكلمات أسرع من نظيراتها، مما جعلهما يحرصان على إخفائها عن العيون.

واستطاعت المؤلفة إيناس سيد جعيتم إدارة القصتين بشكلٍ متوازٍ: لقطة من هذه، ولقطة بعدها من تلك؛ لتجعل القارئ طوال الرواية، التي تقع في ٢٧٢ صفحة، يقرأها وهو على أطراف أصابعه من فرط الإثارة والمتعة. وبرغم أن الفكرة خيالية، فإن إدخال عنصر السحر حيلةٌ قد تكون مقنعة، لأن السحر لا منطق له، مما جعل القارئ يقنع نفسه بتصديق منطق القصة العجيب، خصوصًا أنها أجادت الوصف، لا سيما في القصة الفرعونية؛ سواء في الأماكن بين القصور والمعابد والنيل والجبل التي راوحت بينها في مطاردةٍ مثيرة بين الزوج المغدور الساعي للانتقام من زوجته وعشيقها، والتي تعاطفت معهما الراوية بشكلٍ عجيب.

فقد أدانت الزوج بكل الاتهامات النسوية من سوء معاملة الزوجة واعتبارها جزءًا من أثاث البيت أو تحفةً من تحفه، بالرغم من أننا لم نشهد أي إساءةٍ منه في المعاملة؛ خصوصًا أنها من بيئةٍ أو طبقة اجتماعية لا أقول منحطّة، ولكن أقول متواضعة. فأبوها عاملٌ بسيط دفعه طموحه إلى دفع ابنته في حفلٍ فيه كبير التجار وأحد كبار الأثرياء، ليعجب بجمالها ويتزوجها، فتنتقل إلى مكانةٍ تحسدها عليها كل قريناتها؛ فعاشت سيدة القصر، تغرق في النعيم والذهب وأفخم الأثاث والمفروشات والتحف. ولكن تمرد المرأة في كل العصور جعلها تشعر بالظلم، وأنها تستحق أكثر من ذلك، وتستحق تقدير زوجها في كل وقت وليس في وقت رغبته فقط، وهذا ما ركزت عليه الأديبة إيناس جعيتم من منطلقٍ نسويٍّ بحت.

وجاءت المطاردات مثيرةً جدًا كأننا في فيلمٍ سينمائي من أفلام الأكشن، واستدرّت المؤلفة تعاطف الجمهور، أي القراء، مع العشيق والخائنة ضد الزوج الثائر، لا لكرامته فقط بل لسمعته وأمواله التي أنفقها ببذخ من أجل أن تكمل مراحل تعلم السحر؛ لتدين القصة الزوج مرتين: مرةً لتساهله في شرفه في بادئ الأمر، ومرةً على محاولته الانتقام من غدر زوجته المزدوج؛ فقد خانته مع معلمها، وفي الوقت نفسه أبدت رفضها لما وعدته أو كما اتفقا.

وعندما نقرأ هذه الرواية ترسم أمام أعيننا مشاهد فيلم "نهر الحب" الذي رأيناه جميعًا؛ حين تعاطف الفيلم مع الزوجة المتمردة على زوجها الذي انتشلها من الفقر والعوز وأغدق عليها وعلى أخيها، وأدان الزوج الذي يغار على زوجته الصغيرة الجميلة، وكأن هناك ما يبرر للزوجة الخيانة مع عشيق أصغر سنًا من زوجها؛ لأنه فقط يعاملها بلطف ويشعرها بأنوثتها.

أما الشخصيات فقد اهتمت بوصفها من الداخل أكثر من الخارج، سواء ورماعو أو سِنت إيعج أو أنوبيس، أو الزوج الضخم الجسم المترهل البطن، ورام خادم الكاهن الخائن الذي باع أسرار سيده ورماعو لصالح إيزي مقابل قطعٍ من الذهب، وطمع في الجائزة الكبرى وهي إعادته إلى بلده الذي جُلب منه طفلًا؛ ليجده ورماعو فيتبناه ويحسن مثواه. ولم يشفع له كل هذا؛ فقبل أن تصل يد إيزي إلى سيده يقتله شر قتلةٍ ليلقى جزاء الخيانة.

وحسن إدارة الأحداث لدى إيناس جعيتم يتجلى في إدارتها لأحداث القصتين المتوازيتين؛ فكانت أشبه بالمايسترو الذي يشير إلى جانبٍ من الفرقة الموسيقية فتعزف لحنها، ثم يشير إشارةً أخرى فتتوقف لتبدأ الأخرى لحنها المختلف تمامًا في الزمن والإيقاع والشخصيات. وأدارت الأحداث في كليهما ببراعة حتى وصلت إلى مشهد النهاية، والذي كان للزلزال العظيم كلمة السر في إتمامه، بالانهيار والتبدل الغامض لمسرح الأحداث.

لتبدأ قصة جديدة تجريدية أبطالها زهرتان وعصفوران وكلب وامرأة حامل، لنفاجأ بكلمة النهاية، فتتركنا نضرب أخماسًا في أسداس، محاولين تفسير علاقة هذه بتلك: فأين قمر؟ وأين أمّ الخير؟ وأين سِنت؟ وأين ورماعو؟

استخدمت إيناس جعيتم السارد العليم في القصتين، واستخدمت لغةً  جمعت بين جماليات الوصف وروعة التشويق مع بساطة الألفاظ ورشاقتها؛ فكانت في بعض الأوقات أقرب إلى الشعر. وإن لم تخلُ الرواية من الأخطاء اللغوية بأنواعها، وهي عيوب تعود إلى دار النشر في الأساس لا إلى الكاتبة.

واهتمت الكاتبة بتحديد الزمان والمكان، فجعلت سمة كل فصل أن يبدأ بما يشير إلى أحدهما، مثل: "وفي ليلةٍ ما" – "في نهارٍ آخر" – "في مكانٍ خفي بزمنٍ عتيق" – "في وقتٍ ضبابي" – "في يومٍ آخر".

من الأعمال المطبوعة لإيناس جعيتم:

"فاتح شهية": مجموعة قصصية صادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة (٢٠١٩).
"الغرفة 22": رواية صادرة عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع (٢٠٢٠).
"خلف المرايا": مجموعة قصصية صادرة عن دار المنتدى للنشر والتوزيع (٢٠٢٢).
"بنات القمر": الرواية الفائزة بالمركز الأول في مسابقة رضا عبادة التشجيعية (٢٠٢٥).
مجموعة قصصية بعنوان "السقوط نحو الشمس": فازت بالمركز الثاني بمسابقة مؤسسة بنت الحجاز الثقافية (٢٠٢٥).
شاركت في كتابٍ مجمع بعنوان "لعنة سيسيليا" بقصة "أوناتسي آسي".

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة