داليا مجدي عبد الغني

يا ورد مين يشتريك؟!

السبت، 28 فبراير 2026 08:10 م


"يا ورد مين يشتريك"، هذه العبارة ليست مجرد مطلع أغنية جميلة تغنى بها موسيقار الأجيال "محمد عبد الوهاب" ولكنها عنوانًا لعملاً دراميًا نجح في نسج خيوطه ورسم ملامح شخوصه مبدع الكتابة، وأحد رواد الدراما العربية الكاتب الكبير المبدع "مجدي صابر"، الذي جسد كافة المعاني الجميلة وساقها في سيناريو محكم البنيان من خلال حوار شيق وتلقائي يحترم أذهان وعقول المشاهدين دون تزيد أو محاولة لاختلاق أحداث مفتعلة الهدف منها جذب المشاهد دون احترام لعقليتة.


فلحُسن الحظ أنه يتم إعادة عرض هذا المسلسل منذ بداية شهر رمضان الكريم، والصدفة الجميلة أن أول عرض له كان أيضًا في شهر رمضان عام 2004م، وترك صدى كبيرًا حينها لدى المشاهدين، لأنه ناقش العديد من القضايا الهامة والحية في آن واحد، وكانت قضيته المحورية هي الأحداث الحياتية والعملية اليومية التي تمر بها بطلة المسلسل وزيرة المالية "فريدة صدقي"، والتي نجحت في تجسيد شخصيتها ببراعة شديدة الفنانة القديرة "سميرة أحمد"، فالمسلسل تنبأ باعتلاء المرأة لأهم المناصب القيادية في الدولة، فلقد أظهرها مرشحة لمنصب رئيس الوزراء ، بسبب نجاحها في الإدارة بحكمة وروية وحسم، ولاخلاف على أن المرأة بالفعل في ظل القيادية السياسية الحكيمة أصبحت تعيش في عصرها الذهبي،  بفضل دعم فخامة السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، كما أظهر المسلسل مدى وطنية الوزيرة عندما سعت لإدخال الإقتصاد السرى الخاص بأصحاب  الأنشطة التجارية غير المرخصة وعمل ملفات ضريبية  لهم حتى تحصل الدولة على حقوقها،  وهذه القضية تعتبر إستشراف للمستقبل، حيث أن الدولة حاليا  وضعت قوانين تجارية وضريبية لتنظيم هذه المشكلة ولدعم الإقتصاد الوطني، والمدهش فى الأمر أن الكاتب ناقش هذه النقطة الهامة منذ إثنين وعشرين عاما، الأمر الذي يؤكد أن المبدع الحقيقي يتعايش مع مشاكل وقضايا مجتمعه ويسعى لوضع حلولا لها من خلال أعماله الفنية ، لأن هذه هى رسالة الفن المقدسة. و الأجمل أنه تطرق  للصراع النفسي الذي يعتري الزوج عندما يتم مقارنته بزوجته التي احتلت منصبًا رفيعًا في الدولة، رغم نجاحه في مهنته كمحامٍ ،شهير،والذي تألق في تجسيد دوره الفنان الكبير "حسين فهمي"، بالإضافة إلى التطرق لعدة قضايا هامة تخص الوضع الاقتصادي للدولة، ومشاكل الشباب من جميع الطبقات الاجتماعية والتي تؤثر على مستقبلهم المادي والعاطفي، علاوة على طرح قضية رأس المال ومدى تحكمه في العلاقات الإنسانية والمجتمعية، بجانب إبراز دور رجال الشرطة في حماية المجتمع والمواطنين، فالمسلسل ساق المشاعر الإنسانية والتخبطات النفسية التي تحدث للإنسان عندما تنقلب عليه الحياة وتُجرده من منصبة أو تحرمه من أعز الناس  لديه، أو تضعه في حيرة بين أحلامه ومصالحه، فكل شخصية في المسلسل لها قصة وأزمة إنسانية تواجهها عبر الأحداث.


فتتغير الأحاسيس وتتبدل المواقف من خلال تدرج سلس نجح الكاتب في صياغته بصورة هادئة دون أدنى افتعال، فالأحداث تتحرك بمنطق عقلاني وحس إنساني ملموس، يجعل المشاهد يستشعر أن شخصيات العمل قريبة منه، وكأنه يتعامل معهم في حياته اليومية، بسبب واقعية المواقف، وتلقائية ردود أفعال الأبطال.


والغريب في الأمر، أن مَنْ يشاهد هذا العمل يشعر بالمتعة والانجذاب وكأنه يُعرض لأول مرة، بسبب الحبكة الدرامية المحكمة، والتماسك الحواري، فالكاتب تعامل مع كل قضية في المسلسل وكأنها القضية الوحيدة، فلم تفلت منه زمام الشخصيات خلال الأحداث، بل على العكس استطاع أن يُوظف كل منها بالشكل الذي يخدم البنيان الدرامي.


وأجمل ما في الأمر أن إعادة عرض هذا العمل تمنح الفرصة للأجيال الجديدة أن تتابع الدراما الهادفة التي تُرسخ القيم النبيلة، والأخلاق السامية بشكل هادف وبسيط للغاية. فنحن في حاجة ماسة إلى التعايش مع هذه النوعية من الأعمال الدرامية التي تُحيي ضمائرنا، وتُوقظ عقولنا، وتُحرك أحاسيسنا، وتُؤسس أخلاقياتنا بدون صوت مرتفع أو صراخ أو استخدام أساليب العنف أو تكرار للمواقف والأحداث بصورة فيها مط وتطويل لا داعي له.


فالسيناريو لم يحمل أي لفظ جارح أو خادش للحياء طيلة حلقاته، ولم يُعالج أي قضية بأسلوب ينطوي على عنف، فلقد عالج جميع القضايا ووضع حلول للمشكلات بصورة احترمت أذهان المشاهدين وأحاسيسهم، رغم أنه تطرق إلى الحارة الشعبية وإلى بعض الخارجين عن القانون، ولكن التناول كان راقيًا، بشكل أعاد للمشاهد إحساسه بهويته المصرية الأصلية.


والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو "يا ورد مين يشتريك؟!"، بمعنى مَنْ سيقدر هذه النوعية من الدراما التي تشبه الورد ذو الرائحة الذكية التي أصبحنا متعطشين لها، فنحن في حاجة إلى أباطرة الكتابة الذين تأسسنا على أعمالهم الخالدة التي ولدت بداخلنا أجمل وأرقى وأنبل المعاني الإنسانية والأخلاقية، فهيا بنا نعرف قيمة الورد ونشتريه قبل أن يجرفنا الصخب والترهل والافتعال غير المبرر، فنخرج تدريجيا من جلودنا،  وتتبلد أحاسيسنا، ويصبح اللامنطق هو منطقنا، ونفقد القدرة على التمييز بين الغث والسمين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة