في وقتٍ تئن فيه الأرض تحت وطأة الانفجارات، وتُرسم فيه حدود المنطقة بدخان الحرائق والوعود المنكسرة، نجد أنفسنا نتساءل: أين يذهب الإنسان حين تلتهمه الخريطة؟ وسط ضجيج الطائرات وصراع القوى، تضيع ملامح الوجوه البسيطة، تلك التي لا تظهر في نشرات الأخبار إلا كأرقامٍ عابرة. من هذه الزاوية يواصل مسلسل صحاب الأرض أحداثه وحكاياته التي كانت مرآةً لهذه الأرواح، لا مجرد عمل درامي، بل نبضاً حياً وشهادةً محفورة في ذاكرة القهر والصمود.
اليوم وحين تشتعل المنطقة من جديد، وتتبدّل خرائط الشرق الأوسط تحت وقع الضربات الكبرى من إسرائيل وأمريكا صوب إيران، واستهداف دول الخليج، فإن العالم من حولنا يُعاد تشكيله بلغة لا تعرف سوى هذه القوة الغاشمة. النار تشتعل في منطقتنا البائسة التي تتوسط رسائل نارية متبادلة… لكن وسط هذا كله، هناك أمهات لا يعنيهن ميزان الردع بقدر ما يعنيهن صوت أبنائهن على الطرف الآخر من الهاتف. هناك آباء لا يفكرون في الجغرافيا بقدر ما يفكرون في رغيف خبز، أو سرير مستشفى، أو بابٍ لم يعد موجودًا.
من هنا بدا "صحاب الأرض" مختلفًا. لم يدخل ساحة السياسة، بل دخل البيوت. لم يحدّثنا عن الخرائط، بل عن البشر الذين يسكنونها. لم يرفع صوته، بل اقترب حتى سمعنا أنفاس الخوف. رأينا الفلسطيني "ناصر" (إياد نصار) لا كرمز، بل كأبٍ يتخبط بين غضبه وعجزه، بين حلمه القديم بأن يكون بطلاً وبين رغبته البسيطة في أن يحمي بناته أو ينقذ الصغير ابن شقيقه. رأيناه كما يرى هو نفسه: إنسان يمشي "جنب الحيط" ظنًا أن الحياد نجاة، ثم يكتشف أن الألم لا يسأل عن موقفك. الشخصية لم تُكتب لتُرضينا، بل لتُشبهنا، متناقضة، عصبية أحيانًا، حنونة أحيانًا أخرى، مكسورة لكنها لم تفقد إنسانيتها. أداء إياد نصار جعلنا لا نشاهد تمثيلًا، بل نشاهد إنسانًا ينهار ثم يجمع شتاته بصعوبة، بينما قاد بيتر ميمي العمل بوعيٍ هادئ، منح كل دمعة مساحتها، وكل صمتٍ ثقله.
المشاهد الإنسانية كثيرة، لعل من أبرزها مشهدا لم يكن صراخًا ولا انهيارًا، بل جملة بسيطة عند معبر رفح: "عايزة أكلم ولادي أطمنهم عليّا إني وصلت مصر". لا شيء أكثر تعبيرا عن الأدمية من الرغبة في الطمأنينة. في تلك اللحظة، حين يمدّ متطوع من الهلال الأحمر المصري هاتفًا صغيرًا، لا يبدو كأنه يقدّم خدمة، بل كأنه يقدّم حياة. دقائق الانتظار قبل أن يردّ الطرف الآخر تحمل من التوتر ما يفوق ضجيج الحرب. عينان معلقتان بالشاشة، يد ترتجف، نفسٌ محبوس. ثم يأتي الصوت… فتتبدل الملامح، وتسيل دموع ليست من الحزن بل من الراحة. وأحيانًا لا يأتي الصوت، فيبقى المتطوع بجوار المنكسِر، لا يملك حلاً، لكنه يملك حضورًا. وفي أوقات الكارثة، الحضور نفسه رحمة.
وفي مشهد آخر لا يقل وجعًا ولا قوة، رأينا زفافًا يُقام رغم كل شيء. بين الأنقاض، اجتمع الأهل والجيران في مشهد احتفالي مؤثر، علت فيه الأغاني وارتفعت راية الفرح، في لوحة جسدت التمسك بالحياة رغم الألم، وكأن الزفاف تحول إلى فعل مقاومة ورسالة تحدٍ للواقع. لم يكن احتفالًا عابرًا، بل إعلانًا صريحًا بأن الحياة لا تُؤجَّل حتى تهدأ الحروب، وأن الفرح نفسه قد يصبح سلاحًا رمزيًا في وجه الفناء.
لعل من الملامح المهمة التي أبرزها المسلسل كذلك، أن الهلال الأحمر المصري لا ينقل مساعدات فقط، بل يعيد وصل القلوب التي قطعتها المسافات والحروب. خدمة "إعادة الروابط العائلية"، كما تخبرنا بها الدكتورة أمال إمام المدير التنفيذي للهلال الأحمر المصرى في أحد تصريحاتها، هذه الخدمة ليست إجراءً إداريًا، بل اعتراف بأن الإنسان لا يستطيع أن يتحمل الألم وحده. أن تقول "أنا بخير" قد تكون أعظم مقاومة لليأس. أن تسمع "الحمد لله على سلامتك" قد تعيد إلى الجسد روحه.
"صحاب الأرض" لم يحاول أن يكون أكبر من الحياة، بل اقترب منها جدًا. اقترب من وجع الأم، من خوف الطفل، من ارتباك الأب، من الطبيب الذي يحمل جهازًا حساسًا كأنه يحمل فرصة نجاة لطفل لا يعرفه. اقترب حتى جعلنا نشعر أن المسافة بيننا وبين غزة ليست جغرافيا، بل نبضًا مشتركًا.
في هذه اللحظة الصعبة التي يتحدث فيها العالم بلغة السلاح والتدمير والتفجيرات، يذكّرنا هذا المسلسل أن اللغة الوحيدة التي تبقى هي لغة البشر. وأن أقوى ما يمكن أن نفعله ليس أن نرفع أصواتنا، بل أن نمدّ أيدينا. وبين نارٍ تشتعل في الإقليم كله، يبقى الإنسان بضعفه، بخوفه، بحاجته لصوتٍ يطمئنه، هو الحقيقة الوحيدة التي لا يجوز أن تُنسى.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026