في لحظة فرض فيها التفكك الأسري نفسه على واقع المجتمع وأصبح الطلاق الطريق الأسهل شكلا أمام كثير من العائلات، يأتي مسلسل كان يا ما كان ليضعنا أمام سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره .. ماذا يحدث للأسرة عندما يتحول الملل إلى قرار؟
المسلسل بطولة ماجد الكدواني ويسرا اللوزي ويقترب بهدوء وصدق من واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع المصري: الطلاق وتداعياته النفسية والاجتماعية على أطراف العلاقة، وعلى الأبناء تحديدًا.
تنطلق الأحداث مع مصطفى وداليا، زوجين يبدوان كأنهما يعيشان حياة مستقرة، لديهما ابنة وحيدة هي فرح، وبيت هادئ بلا صخب ظاهر. لكن في يوم عيد ميلادها، تفاجئ داليا زوجها بطلب الطلاق، لا لخيانة، ولا لعنف، بل لشعورها بالملل الزوجي.
هنا يبدأ المسلسل في تفكيك هذه اللحظة الفاصلة. مصطفى يطلقها، محاولًا الحفاظ على هدوئه والتزامه، ويوفي بواجباته كاملة. لكن الأمور لا تسير بسلاسة؛ فوالدة داليا تدفع ابنتها إلى تصعيد الأمور قضائيًا، برفع قضايا نفقة وتمكين، وكأن الزواج لم يكن شراكة يومًا، بل معركة مؤجلة.
الضحية الصامتة
العمل يرصد ببراعة كيف يتأثر الأبناء بالتوترات الخفية قبل المعلنة. فرح، التي تحب كرة القدم وتحلم بالتفوق فيها، تبدأ في فقدان التركيز والاهتمام. لا أحد ينتبه جيدًا لانكسارها الصغير. انشغال الأبوين بمعاركهما الجديدة يخلق فراغًا عاطفيًا ينعكس على أدائها وثقتها بنفسها.
هنا يذكرنا المسلسل بحقيقة مؤلمة وهي أن الطلاق قد يكون حقًا مشروعًا، لكنه ليس حدثًا فرديًا، بل زلزالًا يضرب بنية الأسرة كاملة.
علاقات مرتبكة !
لا يكتفي العمل بقصة مصطفى وداليا، بل يفتح نوافذ أخرى على نماذج مختلفة من العلاقات.
نرى صديق مصطفى، طبيب التجميل وزوج شقيقته، الذي ينجذب إلى فتاة تعمل شيف، ويبدأ علاقة معها دون أن يخبرها بأنه متزوج، خيانة تتغذى على وهم جديد، وتبني كذبة فوق كذبة.
وكذلك قصة شقيقة داليا المخطوبة لشخص بخيل يسعى لاستغلالها، علاقة أخرى قائمة على اختلال في الميزان منذ البداية.
حتى شخصية والدة داليا، المرأة المادية التي ترى الحياة صراعًا دائمًا على المال والمكاسب، تطرح سؤالًا مهمًا .. هل نحن أمام أم تعيد إنتاج جراح زواج قديم وفاشل؟ وهل تتحول التربية أحيانًا إلى نقل غير واعٍ لمرارات لم تُحل؟
شاعرية التناول والمنطق
يحسب لكاتبة المسلسل شيرين دياب والمخرج كريم العدل أنهما قدما عملا لا يدين طرفًا بقدر ما يحاول فهم الجميع. يفكك المشاعر برقة، ويقترب من مناطق رمادية في التفس البشرية.
عكسا لنا على الشاشة مفهوم قدسية العلاقة الزوجية، لا بوصفها قيدًا، بل باعتبارها توازنًا دقيقا بين شخصين، قد نخرج منه أحيانًا بلا منتصر حقيقي.
يطرح العمل أيضا فكرة أن بعض الأفكار الدخيلة، مثل نصائح أصدقاء لم يختبروا الزواج أو فشلوا فيه، قد تتحول إلى وقود لقرارات متسرعة تهدم بيوتًا دون إدراك لحجم الخسارة.
كما يذكرنا بأن شريك الحياة الذي يبدو “مملًا” في لحظة ما، قد يكون في الحقيقة الاختيار الأكثر أمانًا واتزانًا، لكننا لا نكتشف ذلك إلا بعد أن نهدم الاستقرار بأيدينا.
تتر من زمن الحب اللي كان !
يأتي تتر المسلسل بصوت مدحت صالح في إعادة لأغنية “الحب اللي كان” لصاحبتها ميادة الحناوي والموسيقار الراحل بليغ حمدي اختيار يحمل دلالة واضحة على الحنين لما كان، وعلى سؤال: أين ضاع الحب؟
التوزيع الموسيقي لخالد الكمار على أصالة اللحن وروحه، وأضاف بصمة عصرية واضحة في الهارموني والآلات، ليصبح التتر امتدادًا دراميًا للأحداث لا مجرد مقدمة غنائية.
المتحدة وقضايا المجتمع
لاشك أن العمل يأتي ضمن توجه الشركة المتحدة لانتاج أعمال درامية اجتماعية تناقش قضايا الأسرة المصرية، وعلى رأسها الطلاق، أسبابه وتداعياتخاصة على الأبناء.
“كان يا ما كان” ليس مجرد حكاية عن زوجين انفصلا، بل عن فكرة الاستسهال، عن الملل حين يتحول إلى قرار، وعن بيوت قد تُهدم بهدوء دون أن نشعر. هو عمل يهمس أكثر مما يصرخ، ويتركنا أمام مرآة نسأل فيها أنفسنا: هل كنا سنختار الاختيار نفسه لو أعدنا الحكاية من البداية؟!