كشفت دراسة الحمض النووي البشري القديم من منطقة رطبة في بلجيكا وغرب ألمانيا وهولندا عن معلومات مذهلة حول تاريخ بريطانيا المبكر، حيث كانت جينات الصيادين وجامعي الثمار سائدة في الأراضي الرطبة لفترة أطول بكثير من معظم المناطق الأوروبية وعندما استقر المزارعون هناك، نتج عن ذلك مزيج جيني فريد سرعان ما انتشر في بريطانيا.
الأدلة الجينية
تُظهر الأدلة الجينية أنه بينما تحوّلت معظم مناطق أوروبا في العصر الحجري الحديث من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة خلال العصر البرونزي، صمدت منطقة واحدة لفترة أطول من غيرها، وقد ترك سكان تلك المنطقة بصمة جينية فريدة في حمضهم النووي، والآن، استخدم الباحثون هذه البصمة لتحديد هويتهم على أنهم نفس الأشخاص الذين أبادوا سكان بريطانيا في العصر الحجري الحديث واستبدلوهم قبل حوالي 4500 عام.
ففي دراسة واسعة النطاق نُشرت في مجلة Nature، قام فريق من الباحثين من مختلف أنحاء العالم بتحليل الحمض النووي لبقايا 112 فردًا عاشوا بين عامي 8500 و1700 قبل الميلاد في منطقة تشمل الآن بلجيكا وهولندا وجزءًا من غرب ألمانيا وتكشف هذه الأدلة قصةً مثيرةً عن هيمنة مجتمعات الصيد وجمع الثمار، وتجيب على سؤالٍ قديمٍ حول انقطاعٍ حادٍ في الحمض النووي الموجود في السجل الأثري لبريطانيا من أواخر العصر الحجري الحديث.
وكما يوضح الباحثون، هاجرت شعوب أوروبا القديمة واختلطت ببعضها البعض بطريقة جعلت جميع الأوروبيين المعاصرين تقريبًا يحملون في جيناتهم أدلة على وجود ثلاثة مكونات أصلية: الصيادون وجامعو الثمار، وشعوب العصر الحجري الحديث (الذين هاجروا من الشرق الأدنى وكانوا أول المزارعين في أوروبا)، وسكان رعاة نشأوا في ما يُعرف اليوم بروسيا.
على مدار 2500 عام، اختلط الوافدون الجدد إلى الزراعة تدريجيًا مع الصيادين وجامعي الثمار الذين استقروا منذ زمن طويل في جميع أنحاء أوروبا، مما أدى إلى تغيير في التركيبة الجينية بنسبة تتراوح بين 70% و100% ولكن في المناطق الرطبة والنهرية والساحلية في هولندا وبلجيكا وغرب ألمانيا، استمرت التركيبة الجينية للصيادين وجامعي الثمار في السيطرة لمدة 3000 عام أطول من معظم المناطق الأوروبية الأخرى وكما يقول الباحثون، فقد نتج عن ذلك "مجتمعات متميزة حيث كان انتقال الأفكار مصحوبًا بتدفق جيني ضئيل".