طرقة العلاج بالفصد "الإدماء".. أضراره والخرافات حوله

السبت، 28 فبراير 2026 09:00 م
طرقة العلاج بالفصد "الإدماء".. أضراره والخرافات حوله العلاج بالفصد

كتبت مروة محمود الياس

القبض على عدد من ممارسي ما يسمى “العلاج بالطاقة” في إحدى المدن الآسيوية أعاد الجدل حول ممارسات قديمة يُعاد تسويقها بعبارات حديثة. هؤلاء الأشخاص ادعوا أن سحب الدم من الجسم يخلّص المريض مما وصفوه بـ"الطاقة الشريرة"، وزعموا أن الإجراء يعالج طيفًا واسعًا من الأمراض المزمنة. الواقعة أثارت تساؤلات حول الفصد: هل هو إجراء طبي له أساس علمي، أم ممارسة تاريخية استمرت بفعل الموروث الثقافي أكثر من الأدلة؟

وفقًا لتقرير نشره موقع Medical News Today، فإن الفصد — أي سحب الدم لأغراض علاجية — ممارسة تعود إلى آلاف السنين، وارتبطت بنظرية قديمة تُعرف بنظرية الأخلاط الأربعة، التي افترضت أن اختلال توازن سوائل الجسم يسبب المرض.

الجذور النظرية للفصد

في الطب القديم كان يُعتقد أن الجسم يحتوي على أربعة سوائل رئيسية، وأن زيادة أحدها تؤدي إلى اضطراب الصحة. لذلك كان الحل يتمثل في التخلص من الفائض عبر وسائل متعددة، أبرزها إراقة الدم. هذا التصور انتشر في الحضارات المصرية واليونانية والرومانية، ثم ترسخ في أوروبا لقرون طويلة.
لاحقًا، دعم أطباء بارزون في العصور القديمة هذه الفكرة ووسّعوا استخدامها، معتبرين الدم العنصر الأكثر تأثيرًا في التوازن الداخلي. ونتيجة لذلك أصبح الفصد إجراءً شائعًا لعلاج الحمى والصداع والتهابات متعددة، بل استُخدم وقائيًا أحيانًا.

أدوات وأساليب عبر العصور

تنوعت طرق سحب الدم بين شق الأوردة مباشرة، أو استخدام أدوات حادة متعددة الشفرات، أو تطبيق كؤوس مفرغة من الهواء فوق الجلد بعد خدشه. كما استُخدمت العلقات الطبية التي تمتص كميات محددة من الدم وتفرز مواد تمنع التجلط.
في بعض الفترات التاريخية كان الحلاقون أنفسهم يمارسون الفصد إلى جانب مهامهم الأخرى، ما يعكس مدى شيوع الإجراء آنذاك.

الجدل الطبي والتحول العلمي

مع تطور علم التشريح وفهم الدورة الدموية، بدأ التشكيك في جدوى الفصد. أطباء في القرن التاسع عشر أجروا مقارنات منهجية بين مرضى تلقوا العلاج ومن لم يتلقوه، وخلصوا إلى أن الفائدة أقل بكثير مما كان يُعتقد. تدريجيًا تراجع استخدامه مع صعود الطب المبني على الملاحظة الدقيقة والتجارب السريرية.

تقرير منشور في مجلة BCMJ تناول التاريخ الطبي للفصد وأوضح كيف أن اعتماده استمر قرونًا بفعل تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وفكرية، رغم تزايد الأدلة التي قللت من قيمته العلاجية العامة.

الاستخدامات الطبية الحديثة

اليوم لم يعد الفصد يُستخدم كعلاج شامل، بل يقتصر على حالات محددة لها أساس فسيولوجي واضح. من أبرزها اضطرابات زيادة الحديد في الجسم، وبعض أمراض نخاع العظم التي تؤدي إلى ارتفاع مفرط في كريات الدم الحمراء، إضافة إلى حالات معينة من اضطراب تصنيع الهيم. في هذه السياقات يتم سحب كميات مدروسة من الدم لتقليل تراكم الحديد أو خفض لزوجة الدم، تحت إشراف طبي دقيق.
كما عادت العلقات للاستخدام في جراحات إعادة التروية الدقيقة، حيث تساعد على تخفيف الاحتقان الوريدي بعد إعادة توصيل الأنسجة، بفضل المواد المضادة للتجلط التي تفرزها.

لماذا استمر رغم الشكوك؟

التمسك بالفصد تاريخيًا لم يكن قائمًا فقط على المعتقد الطبي، بل تأثر أيضًا بثقافة المجتمع وثقة الناس بالممارسين. في أزمنة معينة كان المرضى يطلبون سحب الدم بأنفسهم اعتقادًا بفائدته. غياب أدوات البحث العلمي الدقيقة آنذاك سمح باستمرار الممارسة دون تقييم منهجي صارم.

إعادة طرح الفصد اليوم تحت مسميات مثل "تنقية الطاقة" يبتعد عن الأساس العلمي المعاصر. الطب الحديث لا يعترف بمفهوم الطاقة الشريرة كمسبب مرضي، ويعتمد بدلًا من ذلك على آليات بيولوجية قابلة للقياس والتحليل. أي إجراء يتضمن سحب الدم يجب أن يستند إلى تشخيص واضح ومؤشرات طبية معترف بها، لأن فقدان الدم دون داعٍ قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.التاريخ الطبي يبين أن بعض الممارسات قد تستمر قرونًا قبل أن يُعاد تقييمها علميًا. الفصد مثال واضح على انتقال إجراء من اعتقاد شامل إلى استخدام محدود ومدروس. الفرق الجوهري اليوم أن القرارات العلاجية تُبنى على الأدلة وليس على التصورات غير المثبتة.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة