يقف سائح أمام الأهرامات ينبهر بالصرح العظيم وعندما يسأله ابنه من بنى هذه الأهرامات العظيمة يا أبى؟ يجيب الأب "المصريين القدماء"، عندها يقول الابن: ولكن يا أبى كيف بنى المصريين بناء بهذه العظمة ألم تقل لى أنهم متأخرون عنا؟ كيف لعالم ثالث أن تكون له حضارة بها الكثير من الأسرار والعلوم ولم نستطع نحن القيام بذلك؟ يتوقف الأب عن انبهاره ويدرك أن أسهل إجابة لديه هي: هذا ما يقال ولكن قد تكون كائنات فضائية جاءت إلى الأرض وبنت الأهرامات!
لم تكن هذه مجرد إجابة لأحد أهم الأسئلة التي نتجت عن عنصرية الغرب تجاه الشرق، ولكن هناك نظرية مؤامرة حول الأهرامات، تطرح سؤالًا: هل بنى كائنات فضائية الأهرامات المصرية القديمة؟ تقول النظرية إن الأهرامات لم تكن نتيجة مشاريع بناء استمرت عقودًا وشارك فيها عشرات الآلاف من الناس، وجهود لوجستية وإدارية هائلة، وموارد حجرية، ومهندسين معماريين بارعين، بل بُنيت على يد كائنات فضائية، أو على الأقل أرشدت الكائنات الفضائية البشر إلى كيفية بنائها.
ولعل تصريحات الملياردير إيلون ماسك كانت الأبرز في تبنى هذه النظرية، حيث إنه قد نشر سابقا تغريدة على تويتر يقول فيها: "من الواضح أن الكائنات الفضائية هي التي بنت الأهرامات"، وتمت إعادة تغريدها آلاف المرات، ومؤخرا صرح بأنه شخصيا كائن فضائى، وهو الأمر الذى يثير الجدل تارة وأخرى، كعادة إيلون ماسك وتصريحاته عبر مواقع التواصل والفعاليات المتنوعة التي يشارك فيها.
ومن هنا كان سؤالنا لرائد الفضاء الروسى أليكسي زوبريتسكي، خلال إقامته في محطة الفضاء الدولية على ارتفاع حوالى 400 كيلومتر من سطح الأرض، "سبق أن زعم إيلون ماسك أن الأهرامات شيدت على يد كائنات فضائية، ما تقييمكم لهذه الدعوى؟ وهل ترجحون وجود حياة ذكية خارج الأرض؟"
رائد الفضاء والاتصال عبر الأقمار الصناعية
قال رائد الفضاء في حديثه مع "اليوم السابع"، خلال حوار مباشر عبر الأقمار الصناعية في الأهرامات، نظمته RT وتم العرض الخاص له في البيت الروسى، "لا اتفق مع المزاعم السابقة للملياردير إيلون ماسك بخصوص بناء الأهرامات على يد كائنات فضائية، ولكننى اعتقد بإمكانية وجود كائنات فضائية، فإنه وفقا لنظرية الاحتمالات هناك نجم آخر غير الشمس التي ندور حولها، وذلك النجم يدور حوله كوكب، وهذا الكوكب صالح لاستضافة حياة ذكية وحضارة أخرى."
البداية ليست ايلون ماسك.. كانت فى رواية "حرب العوالم"
على الرغم من أن الأهرامات موجودة منذ أكثر من أربعة آلاف عام، وعبر العديد من الحضارات حول العالم، إلا أن إدخال الفضائيين كانت فكرة حديثة نسبيًا، فبحسب موقع " historyextra"، بدأ تطورها بعد نشر إتش جي ويلز لرواية "حرب العوالم" عام 1879، حيث كانت هذه الرواية بداية سلسلة من كتب الخيال العلمي".
كما أن هناك كتابٌ واحدٌ تحديدًا صدر عام 1898، وهو "غزو إديسون للمريخ" لعالم الفلك والكاتب الأمريكي جاريت ب. سيرفيس، جاء فيه أن الهرم الأكبر وأبو الهول من صنع المريخ. ليس من المفترض أن يكون كتابًا جادًا؛ إنه خيال.. لكن فكرة أن شخصًا من خارج الأرض ربما زار مصر وبنى الأهرامات انتشرت."
أما في عام 1968، نشر الكاتب السويسري إريك فون دانيكن كتابه الأكثر مبيعًا، "عربات الآلهة؟ ألغاز الماضي التي لم تُحل"، والذي ساهم بشكل كبير في نشر نظرية أن رواد الفضاء القدماء زاروا الأرض، وأثروا بشكل كبير على ثقافات وأديان وتقنيات، وبالطبع، على هندسة الحضارات القديمة.
فيما كشف موقع vice، أن هذا الاعتقاد المُضلّل قد انتشر بفضل مسلسلات تلفزيونية مثل "كائنات فضائية قديمة"، والذى في موسمه السادس عشر أصبح أكثر شيوعًا من أي وقت مضى.
حرب العوالم
علم الآثار الزائف: كيف يتم تزييف التاريخ تحت ستار المنطق؟
يوجد مصطلح باسم "علم الآثار الزائف"، حيث يتبنى البعض من مدعى العلوم بعض النظريات الغريبة، ولعل من بينها أن الكائنات الفضائية ساعدت المصريين القدماء في بناء أهرامات الجيزة، وتُثبت بقايا طفل هجين من إنسان وفضائي وجود حياة ذكية في الكون، وقد زارت الأرض، كما جابت أناسٌ بطول 12 قدمًا الأرض بكثرة.
في هذا الشأن، ناقش البروفيسور توماس لاندفاتر، الأستاذ المساعد في الدراسات الكلاسيكية والعلوم الإنسانية، وبيث بلات، خبيرة تكنولوجيا التعليم في مركز ريد للتكنولوجيا التعليمية، شرحًا للادعاءات الغريبة، والأيديولوجية الكامنة وراء علماء الآثار الزائفين في محاضرتهما، فبحسب reed-magazine، كشفت بلات أن "ممارسي علم الآثار الزائف يستخدمون أشياءً موجودة بالفعل، لكن تحديد هوية الشيء أو التاريخ المحيط به هو ما يُمثل جوهر النظريات الخيالية."
وأكد لادفاتر، أن الاعتماد على الأشياء التاريخية الفعلية والمواد الأثرية هو جزء مما يُعطي علم الآثار الزائف مصداقية بين مؤيديه، وتشمل الأساليب البلاغية الأخرى: الاحتكام إلى السلطة والمنطق، ونظريات المؤامرة، والحجة القائمة على نقص الأدلة، والقفزات المنطقية المشكوك فيها، ويُظهر انتشار علم الآثار الزائف في السنوات الأخيرة على التلفزيون والإنترنت، مع برامج تحظى بشعبية واسعة مثل "كائنات فضائية قديمة" و"لعنة جزيرة أوك"، جاذبية هذه النظريات لدى عامة الناس.
فيما أضافت بيث، أن الكثير من نظريات علم الآثار الزائفة متجذرة أساسًا في افتراضات عنصرية حول التاريخ البشري، قائلة، "كما ترون، يُطبق علم الآثار الزائف بشكل أساسي على أماكن، مثل بيرو، وحضارات الأمريكيين الأصليين، وأمريكا الوسطى، ومصر، والهند بحضارات يُنظر إليها من جهة على أنها متقدمة جدًا من قِبل المراقبين المعاصرين".
وأوضحت كارين دوجلاس، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة كينت، بحسب موقع "Vice"، أن "أكثر نظريات المؤامرة شيوعًا هي تلك التي لا يمكن إثبات خطئها، أو النظريات التي تطرح أسئلة حول ما حدث، فعندما يكون اللغز ضخمًا كحجم الهرم الأكبر بالجيزة، أطول مبنى في العالم منذ حوالي 3800 عام، والعجيبة الأصلية التي لا تزال قائمة، فمن السهل أن نرى كيف يمكن لنظريات المؤامرة أن تلتصق.
وأضافت أستاذة جامعة كينت، "لعل السبب الرئيسي لتصديقهم للمؤامرة هو الحجم الهائل للأهرامات ونقص التكنولوجيا اللازمة لبنائها في ذلك الوقت، بالإضافة إلى بعض الأمور المتعلقة بالفضاء، فهناك علاقة بين موقع أكبر ثلاثة أهرامات في الجيزة وكوكبة حزام الجبار."
تشير النظرية الأكثر شيوعًا إلى أن الكائنات الفضائية هي من شيدت الأهرامات باستخدام تقنياتها المتطورة، ويشير مؤيدو هذه النظرية باستمرار إلى تطابق الأهرامات تمامًا مع الأجرام السماوية، وثقل أحجارها ووزنها غير المعقول، وأسطحها المصقولة والناعمة التي لم تبلى بمرور الزمن كدليل على ذلك، ويمكن تفسير هذه النقاط باستخدام بكرات ورافعات، بالإضافة إلى أساليب تقنية متطورة، كما أن العيوب والاختلافات في بناء الأهرامات تشير إلى تدخل بشري وليس فضائي.
ومن المهم أن نلاحظ أن المجتمعات العلمية والأثرية تتفق على نطاق واسع على أن الأهرامات بناها المصريون القدماء، مع وجود أدلة واسعة تدعم هذا الاستنتاج.
نهاية الأسطورة.. الحقائق والأدلة الموجودة عن بناء الأهرامات
لا يزال الكثير من المعلومات المتعلقة بالأهرامات، من كيفية بنائها إلى ما بداخلها، مجهولًا حتى يومنا هذا، لذا ربما ليس من المستغرب وجود العديد من المفاهيم الخاطئة ونظريات المؤامرة التي تحاول تفسير ألغاز حقيقية عالقة.
وفى هذا الشأن، كان أوضح رائد علم الآثار الدكتور سليم حسن فى موسوعة مصر القديمة، أن اختيار الملك "خوفو" لهضبة الجيزة لم يكن صدفة، بل لصلابة أحجارها وقربها من مقر عبادة الشمس، ويؤكد أن الفحص المعملي أثبت أن أحجار الأهرام هي ذاتها أحجار المحاجر المجاورة لها تماماً، مما يفند الروايات القديمة والحديثة التي تدعي جلب الأحجار من أماكن بعيدة لتعجيز العقل عن التفسير، أما محاجر "طرة" فكانت مخصصة فقط للكساء الخارجي الأبيض والتماثيل لنعومتها، وهو ما يثبت أن عملية البناء كانت منظمة لوجستياً وليست معجزة عصية على الفهم البشري.
وكشف الدكتور سليم حسن أن المصريون القدماء وصلوا إلى طفرة تكنولوجية باستخدام "البَكَر" لرفع الأحجار، وهو ما أثبتته الاكتشافات الأثرية للعثور على بكرات حقيقية بجوار الأهرام، كما يوضح أن بناء هذا الصرح خلال 20 عاماً فقط (مدة حكم خوفو) كان نتيجة نظام إداري فذ استغل قوة بشرية هائلة من المصريين المتفرغين خلال فترة "فيضان النيل"، حيث كانت تتوفر لهم مساكن منحوتة في الصخر لا تزال باقية حتى اليوم، مما يؤكد أن السر يكمن في "التنظيم الفني" وليس في تدخلات خارجية.
ومن جانبها، تؤكد البروفيسورة جويس تيلديسلي، عالمة المصريات بجامعة مانشستر، ما ذكره الدكتور سليم حسن، بحسب history extra، قائلةً: "يكشف وجود محجر للحجر الجيري بالقرب من موقع الهرم الأكبر، بالإضافة إلى أدلة على مواقع معسكرات العمال، عن مدى اتساع المشروع، موضحة "لدينا أدلة على كيفية إطعامهم وعلى المقابر التي دُفنوا فيها".
لكن فهمنا لبناء الأهرامات لم يتطور بشكل ملحوظ إلا خلال الخمسين إلى السبعين عامًا الماضية، الأمر الذي ترك فراغًا سمح لنظريات المؤامرة الغربية بالتجذر فيه لفترة طويلة، حيث يقول الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الاثار بمكتبة الإسكندرية ومدير منطقة الهرم سابقا، فيما يتعلق بالربط بين العنصرية وعلم الآثار الزائف في نظريات بناء الفضائيين للأهرامات، فإن هذا الربط ليس مبالغة بل له جذور فكرية واضحة تعود إلى القرن التاسع عشر حين سادت في أوروبا نظريات عرقية تعتبر أن الشعوب غير الأوروبية أقل قدرة على الإبداع الحضاري، وعندما بدأت الاكتشافات الكبرى في مصر على يد علماء مثل جان-فرانسوا شامبليون وأوجست مارييت انبهر الغرب بعظمة الحضارة المصرية، لكن بعض الاتجاهات الفكرية آنذاك لم تستطع تقبل أن شعبًا من الشرق القديم هو من أنجز هذا الإعجاز، فظهرت تفسيرات تنسب الحضارة المصرية إلى عرق أجنبي مفقود أو قوى غامضة.

وتابع الدكتور حسين عبد البصير، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، "أنه في القرن العشرين أعاد كتّاب مثل إريك فون دانكن صياغة الفكرة في إطار كائنات فضائية، وهذه النظريات تقوم على افتراض مسبق مفاده أن المصريين القدماء لم يكونوا قادرين على بناء الأهرامات، وهو افتراض يحمل في جوهره نزعة استعلائية تنزع عن شعوب الشرق قدرتها على الإبداع، بينما لا تُطرح مثل هذه الفرضيات عند الحديث عن آثار الحضارة اليونانية أو الرومانية، ومن هنا فإن علم الآثار الزائف في هذه الحالة يصبح امتدادًا لرؤية ثقافية ترفض الاعتراف بعبقرية الإنسان غير الأوروبي."
وأشار عالم الآثار المصرى، إلى أنه بخصوص إدعاء الكمال الهندسي واستحالة رفع الأحجار، فالعلم الأثري يملك ردًا قاطعًا قائمًا على الأدلة لا على الانطباعات، فالهرم الأكبر للملك خوفو في الهرم الأكبر ليس مثاليًا بشكل مطلق كما يروَّج، بل توجد فروق طفيفة في القياسات تدل على عمل بشري بالغ الدقة، والمصريون القدماء امتلكوا نظامًا متقدمًا في القياس والحساب والرصد الفلكي، واستطاعوا تحديد الاتجاهات بدقة عبر مراقبة النجوم باستخدام أدوات معروفة أثريًا، كما أن لدينا أدلة مباشرة من برديات وادي الجرف التي تسجل يوميات مشرف يُدعى مرر يصف نقل الأحجار عبر النيل في عهد خوفو.
وأوضح عبد البصير، "بصفتي خبيرًا في علم المصريات أرى أن التصدي للعلم الزائف لا يكون بالرفض الانفعالي بل ببناء خطاب علمي قوي وجذاب يصل إلى الجمهور، فالمؤسسات الثقافية المصرية مطالبة بإنتاج محتوى وثائقي ورقمي عالي الجودة يشرح الأدلة بلغة مبسطة، كما ينبغي دعم ترجمة الأبحاث المصرية إلى لغات عالمية وتدريب متحدثين مؤهلين لعرض الرواية العلمية الدقيقة في المنصات الدولية، إضافة إلى إدماج التفكير النقدي في المناهج التعليمية حتى يتعلم الشباب الفرق بين الفرضية والدليل وبين العلم الحقيقي والتخمين، فالمعركة الحقيقية هي معركة وعي، وعندما نقدم العلم بثقة ووضوح فإننا نحمي الحضارة المصرية من التشويه ونؤكد أن الأهرامات إنجاز إنساني مصري خالص يجسد عبقرية التنظيم والمعرفة في مصر القديمة دون الحاجة إلى أي تفسير خارج الإطار البشري".
الزميلة الصحفية أميرة شحاتة فى حوار رائد الفضاء بالأهرامات