الصراع الدرامي هو العمود الفقري للنص المسرحي؛ فبدونه تتوقف الأحداث وتفقد الشخصيات المسرحية مُبرّر وجودها، والصراع الدرامي في البناء المسرحي يعمل حراكًا تصاعديًا؛ لينقل الأحداث تدريجيًا من البداية حتى النهاية، ويكشف تطور الشخصية في مواقفها المُتباينة وصراعها مع الآخر، هذا الصراع يُشكّل حالة التوتر في المسرحية، ويجعل القارئ للنص المسرحي أو المشاهد للعرض المسرحي مُتشوقًا لمتابعة فصول المسرحية؛ ليعرف مصير البطل نهاية المسرحية.
اللغة والصراع الدرامي
أصدر الكاتب نواف يونس ثلاث مسرحيات بعنوان: تحلّيق نسبي، عن دار يافا للنشر والتوزيع عمّان الأردن عام 2025، وجاء الكتاب في 114 صفحة من القطع المتوسط، والغلاف تصميم محمد الشيخ معلا غانم، ويضم الكتاب ثلاث مسرحيات: الأولى: الرحيل، مسرحية من فصل واحد، والثانية: ملك ليوم واحد، مسرحية من خمس لوحات درامية، والثالثة: أشواق مُعتقلة، مونودراما، وتدور المسرحيات حول الثنائيات المُتقابلة: الحياة والموت، الحرية والسجن، العدالة والظلم، الأمان والخوف، وقد أصدر الكاتب نواف يونس من قبل مجموعة قصصية بعنوان: حلم تحت خط الصفر، وكتاب نقدي بعنوان: رماد الأصابع.
لقد شكلّت لغة المسرحيات الثلاث بؤرة كاشفة للصراع الدرامي بين الشخصيات المسرحية، وجاءت اللغة الفصحى مناسبة جدًا للسياق الدرامي في التحاور بين الشخصيات، خاصة وأنّ المسرحيات مكتوبة ومنشورة في كتاب، واللغة الفصحى مناسبة أكثر للكتابة المسرحية، أمّا اللغة العامية فتتناسب أكثر مع العرض على خشبة المسرح؛ لتكون قريبة من جمهور المشاهدين، وأسهم الوصف السردي في تقريب وتجسيد سمات الشخصية المسرحية أمام القارئ حتى يتعرف عليها جيدًا: (المندوب.. يقرأ من الأوراق: غريب بن غريب.. إنسان فقير.. دخله متواضع.. ديونه كثيرة.. لا يستطيع الوفاء بالتزاماته المادية والأسرية على أكمل وجه، لم يحصل على دخل آخر.. لم يعقد أيّة صفقة منذ مدة طويلة.. رغم أنّه يُحاول جاهدًا، إلا أنّ السُبّل مُغلقة دائمًا لعدم القدرة والخبرة.. طموحات كبيرة دون أيّ إمكانات.. في خلاف دائم مع الآخرين.. الزملاء.. الزوجة.. الأقارب.. ليس له أولاد، يضطر في كثير من الأحيان إلى دخول المنزل من الباب الخلفي هربًا من صاحب البيت والخباز وبائع الخضار... مسرحية الرحيل ص 40، ص 41).
هكذا جسّد الوصف السردي حالة غريب، بطل مسرحية: الرحيل، وتأمل معنى الاسم: غريب، ودلالته اللغوية، وحالة الفقر التي يعيش بها؛ فغريب مدين بالإيجار لصاحب البيت، ومدين للخباز، ومدين لبائع الخضار، ومع كل هذه الحالة التعيسة التي يحياها نراه يتمسك بالحياة، بل نراه يستعطف ملك الموت أن يؤجل موعد قبض روحه: عامًا أو شهرًا أو يومًا واحدًا؛ فأيّة مفارقة تلك؟! أن يستعذب الإنسان قسوة الحياة، ويتمنى الاستمرار فيها، أيّ قهر هذا الذي يختاره؟!
وفي مسرحية: ملك ليوم واحد، استخدم الكاتب أبيات شعرية مختارة سواء على لسان مطربة الحفل السنوي التي تشدو
في حضرة ملك البلاد؛ فتردّد أبيات لها معنى دال وموحي:
(ويوم عقرت للعذارى مطيتي
فيا عجبًا من كورها المتحمل
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك منّي أنّ حبّك قاتلي
وأنّك مهما تأمري القلب يفعل... مسرحية ملك ليوم واحد ص 55).
هكذا يعيش القصر الملكي ـــ الملك وحاشيته وأصحاب المصالح ــــ حالة من البذخ والأكل والشراب والمجون ورقص الغواني، وفي المقابل يعيش عامة الشعب حالة من الفقر والجوع والخوف، والسجون تمتلئ بالأبرياء والمظلومين؛ فأيّة مفارقة تلك؟!؛ ولهذا كانت الثورة ضد الظلم والبطش والسجن حتمية وضرورية.
وأجاد الكاتب اختيار بعض أبيات الشعر إلى جانب توظيف الموسيقى في رسم ملامح شخصية المرأة الوحيدة؛ حتى يتعاطف معها القارئ، بالإضافة إلى استخدام المؤثرات المساعدة: ظلام.. إضاءة، في كشف ملامح الأجواء التي تعيش داخلها المرأة، وأسهم شعر محمد الماغوظ في رسم صورة توضيحية للمرأة التي تُعاني وحدتها وأوجاعها:
(كلّما هبّ النسيم في الليل
ارتجفت ستائرها كالعيون المطروقة
كلّما مرّ قطار الليل
اهتزت بيوتها الحزينة المطفأة
كسلسلة من الحقائب المُعلّقة في الريح
والنجوم أصابع مفتوحة لالتقاطها
مفتوحة ـــ منذ الأبد ــــ لالتقاطها... مسرحية أشواق مُعتقلة ص 103).
هكذا أسهمت لغة المسرحية شعرًا ونثرًا في تجسيد الأجواء المحيطة بالشخصية المسرحية وصراعها مع أحداث الحياة الدرامية إلى جانب عناصر الحركة المسرحية من موسيقى وغناء وإضاءة وإظلام على خشبة المسرح، كل هذه الأدوات تساعد القارئ/ المشاهد أن يعيش ويتفاعل مع الرؤية المسرحية التي يؤكد عليها الكاتب فيما يطرحه من رؤى وأفكار.
صراع الثنائيات المُتقابلة
لقد نجح الكاتب نواف يونس عبر مسرحيات: تحلّيق نسبي، أن يجعل الصراع قويًا من خلال جدلية الحوار المسرحي بين الشخصيات أو من خلال انفعالات وردود الأفعال للشخصيات المُقابلة، عبر المسرحيات الثلاث التي ضمّها كتاب تحلّيق نسبي؛ ففي المسرحية الأولى: الرحيل، يشتدّ الصراع الخارجي بين غريب والمندوب؛ فالمندوب رسول ملك الموت قد حضر؛ ليقبض روح غريب.
(غريب يقترب منه، يدنو أكثر، يضع يده على فمه، يتراجع للخلف، وكأنّه أدرك أمرًا ما كان يخشاه.
المندوب يدرك خوفه: لا تخش شيئًا، هذا أمر في حكم المنتهي.
(يقترب من غريب الذي يبدو مذعورًا).
المندوب: يجب أن تتشجع.. الموت.
غريب يصرخ: كلا.. كلا.. (مُندفعًا إلى ركن من الغرفة).
المندوب بهدوء: الموت شيء قائم بذاته، ولا بد من أن ينتصر في النهاية... مسرحية الرحيل ص 39).
ومن ناحيته يُحاول غريب تأجيل الموعد شهرًا أو أسبوعًا أو يومًا واحدًا:
(المندوب يهمّ بالخروج: لا أستطيع.. لا أستطيع.
غريب يعترض طريقه: عام.. عام واحد فقط.
المندوب: كلا.. لا أستطيع.
غريب: إذًا دعني أكمل الستين فقط.. أرجوك.
المندوب: قلت لك لا أستطيع.
غريب: شهر إذًا.. (ينتظر الرد).
المندوب: كلا.. كلا.
غريب يؤكد له: إذًا يوم واحد، يوم واحد فقط (يقولها باستخفاف).
المندوب كلا.. لا تُضيّع وقتي، قلت لك كلا.
ويظلّ الحوار مُستمرًا، غريب يستعطف، والمندوب يُصمّم على تأدية المهمّة التي حضر من أجلها.
وأخيرًا يُنهي المندوب هذا الجدال بإجابة قاطعة: (إنّني مُكلّف باسترداد الأمانة... مسرحية الرحيل ص 48).
أمّا في المسرحية الثانية: ملك ليوم واحد؛ فنجد الصراع الخارجي يشتدّ بين ثلاثة أطراف: الطرف الأول: الملك والوزير وقائد الجند من ناحية:
(همهمات وأحاديث مُتداخلة هنا وهنك، الوزير ينفرد بقائد الجند في ركن من القاعة، وحديث هامس بينهما:
الوزير: ماذا فعلت؟!
قائد الجند: اطمئن سيدي الوزير لقد قبضنا عليهم.
الوزير: هيه.. قبضت عليهم، أعرف أنّك قبضت عليهم، أسألك: ماذا فعلت بهم؟! لا بد من صلبهم.. لا بد.
قائد الجند: لا تخش شيئًا سيدي، سنتدبر الأمر جيدًا.
الوزير: ماذا تقصد بـــ (سنتدبر الأمر جيدًا)؟!.. بسخرية.
قائد الجند: لا بد من محاكمتهم قبل صلبهم.. وهو يشير بإصبعه نحو رأسه... مسرحية ملك ليوم واحد ص 53).
وهناك صراع بين الملك وشقيقته سِتّ الملك كطرف ثان:
(سِتّ الملك: انظر يا أخي وتمعن جيدًا فيما حولك، ستجد أنّ ما قلته، وأقوله لك هو الحقيقة بعينها.
الملك: أيّة حقيقة؟!
سِتّ الملك: الحقيقة أنّهم نجحوا في عزلك بإرادتك، وضربوا حولك حصارًا بالمنافقين وأصحاب المصالح؛ ليبرهنوا لك على ولائهم وحسن إدارتهم لأمور المملكة، هل دقّقت فيمن حضروا اليوم؟! لقد أتوا بالأعيان والتجار وأصحاب المصالح، لقد رأيت بعض النخّاسين في مجلسك.. ولا أعتقد أنّ ذلك يسرّك... مسرحية ملك ليوم واحد ص 61).
وأخيرًا صراع الملك والثوار الغاضبين كطرف ثالث، هذا الصراع يكشف أنّ حاشية الملك قد نجحت في عزل الملك في غرفة زجاجية بعيدًا عن الشعب؛ لكن نجحت شقيقة الملك في تعرية الحاشية وتبصرته بالحقيقة.
أمّا الصراع الداخلي في المسرحية الثالثة: أشواق مُعتقلة، يشتدّ عبر مونولوج لامرأة وحيدة، تبوح بأوجاعها لنفسها كل ليلة، فالصراع الذاتي بين المرأة والمجتمع الذي يُحاسب المرأة التي تجاوزت سِنّ الثلاثين دون زواج؛ فيطلق عليها لقب: عانس، هذا الصراع الداخلي أدى إلى عزلة المرأة داخل بيتها:
(تزداد عصبية وبصوتٍ عالٍ: لقد ملّلت مصارعة الأمل.. أصبحت لا أستطيع إخفاء تلك الكلمة التي تُطاردني.. وكأنّها منقوشة على صدري.. وكأنّها تتحدث مع غيرها: نعم قولها.. قولوها.. نعم منقوشة على صدري.. في ملامحي.. في صوتي.. تقولها وهي تبكي.. وبصوت مخنوق مجهشة بالبكاء: عانس.. عاااانس.. إنّها كلمة تمسك بعنقي لتعصره وتخنق الحياة فيه... مسرحية أشواق مُعتقلة ص 110).
ثنائيات الصراع الدرامي
الكاتب نواف يونس
الكاتب نواف يونس
يتشكّل الصراع الدرامي في المسرحيات الثلاث من الثنائيات المُتقابلة؛ ففي مسرحية الرحيل شكلّت ثنائية الموت والحياة جوهر الصراع بين غريب والمندوب:
(غريب: مهلا سيدي ــ يُناديه ــــ سيدي أرجوك أعطني فرصة.. لا تكن قاسيًا.. إنّكم ذوو قلوب رحيمة.
المندوب: (مُغادرًا الغرفة، ينظر إلى ساعته ويُقارنها بساعة الحائط، وينطلق مُسرعًا): سأعود إليك.. سأعود.
غريب (في إثره): سيدي.. سيدي.. (يخرج المندوب من الغرفة.. يبقى غريب وحيدًا وسط الغرفة مُطرقًا).
يبدو أنّ حياة أغلب الناس هي صراع مستمر لمحاولة البقاء.. ودائمًا ينتهي هذا الصراع بالرحيل.
غريب: سيدي (بصوت أضعف) سيدي (بحسرة وصوت متقطع) س ي د ي... مسرحية الرحيل ص 49، ص 50).
شجاعة المواجهة
أمّا في مسرحية: ملك ليوم واحد، فقد شكلّت ثنائية الحرية والسجن جوهر الصراع بين الملك ووزيره وقائد جنده من ناحية وبين الملك والثوار من ناحية أخرى.
قرّر الملك أن يخرج وحيدًا من قصره ليلا مُتخفيًا دون حراسة، فتمّ القبض عليه:
(الملك: لا أدري.. ولكن الجند أتوا بي إلى هنا.. (ويؤكد): إنّني لم أقترف أيّ ذنب!
حسن (بسخرية): وهل تجد في ذلك غرابة؟! انظر.. (يلتفت نحو الآخرين): انظر كل هؤلاء بلا ذنب ارتكبوه، ولكن بلدنا أصبح غريبًا عنّا، وأصبحنا غرباء فيه، فلا تبتئس وأنت الغريب.. ما اسمك؟!
الملك (يحار قليلا): برهوم (وبسعادة غامرة) نعم اسمي برهوم.
حسن إذًا لأعرفك بالقوم (ينظر تجاه البقية وهو يضع يده على كتف برهوم).
انظر من حولك.. هذا درويش وبجواره عبد الله طالبا علم.. وهذا عبد الرحمن علّامة البلدة.. وهذان سعيد وسلمان حدّادا البلدة، والذي هناك محمود الجزار (يصمت قليلا): وأنا حسن الشاعر.. وكما ترى جميعنا لسنا من أرباب السوابق أو ما قد يسيء إلينا؛ ولكنّنا معك هنا أيضًا في الزنزانة... مسرحية ملك ليوم واحد ص 79).
المسرحيات
وتُشكّل مسرحية ملك ليوم واحد حالة من النقد السياسي، الذي يشير إلى نقد أدوات الحكم، ومفهوم السلطة للعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، وفتح السجون وتكميم الأفواه لكل المعارضين الأبرياء.
والمسرح السياسي كما يراه ماسيمو كاستري: (إنّ المسرح السياسي هو ذلك المسرح الذي يرغب في المشاركة بجميع وسائله النوعية في الجهد العام وقضية تحول الواقع الاجتماعي أو بشكل مطلق قضية تحوّل الإنسان من منظور إعادة بناء الشمول والكلية للإنسان اللتين تحطمتا في مجتمع مُقسّم إلى طبقات وقائم على الاستغلال... مقدمة في نظرية المسرح السياسي، دكتور أحمد العشري، الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة عام 1989 ص 12)؛ فالمسرحية تضع العدالة أمام سلطة الملك السياسية، ذلك الملك المخدوع من حاشيته، الحاشية التي نجحت في عزل الملك عن شعبه ورعيته، ونجحت الحاشية في سجن معظم المفكرين والأدباء والشعراء وطلاب العلم؛ ولكن نجحت شقيقة الملك في وضع الحقيقة الغائبة أمامه، فقرّر الملك أن يتجوّل في الشوارع والأسواق وحيدًا مُتخفيًا دون حراسة، ولكن رحلة الملك الاستكشافية لم تستمر طويلا؛ فسريعًا يتم القبض على الملك؛ لأنه في نظر الحُرّاس غريب لا يحمل أيّة أوراق تثبت شخصيته، ويتم ترحيله للسجن، وفي السجن يرى الملك الحقيقة عارية أمامه، عندما يتعرف على زملاء السجن من الأبرياء الذين تم القبض عليهم حتى لا يصل صوتهم بالشكوى إلى الملك، وتستمر ثورة السجناء ضد الظلم والبطش وسجن الأبرياء، وتنجح الثورة في محاصرة قصر الملك ومحاولة عزله نتيجة للظلم الذي يُمارسه الوزير وقائد الجند ضد غالبية أفراد الشعب.
وفي مسرحية: أشواق مُعتقلة، شكلّت ثنائيات: الليل والنهار، الوحدة والجماعة، الخوف والأمان، جوهر الصراع الداخلي بين المرأة ونفسها، أو بين المرأة والمجتمع الذي تعيش وسطه حزينة وحيدة باكية:
(تخرّ على ركبتيها وهي تبكي.. تسمع جلبة في بقية أرجاء البيت خارج غرفتها.. تقول بهدوء وكأنّها مقتنعة ومستسلمة لحالها بعد أن وقفت: يبدو أنّهم استيقظوا.. سينهمك كل منهم في حياته اليومية بعيدًا عنّي.. وعن أحاسيسي وجنوني.. بدت نظراتها تائهة.. والعمر المهدور عنوة في بريق عينيها.. اتجهت نحو فراشها: هكذا كل يوم.. أستقبل هذا الصباح الخريفي البارد الذي ترتجف معه الأغصان العالية... مسرحية أشواق مُعتقلة ص 111).
شخصيات مأزومة
لقد شكّلت الثنائيات المُتقابلة الصراع الدرامي وجعلت شخصيات المسرحيات الثلاث شخصيات مأزومة؛ فقد رأينا غريب المتشبث بالحياة وصراعه مع ملك الموت، ورأينا الملك وصراعه مع وزيره وقائد الجند من ناحية، وبين الملك والشعب من ناحية أخرى حول مفهوم الديمقراطية والعدالة في الحكم، وأخيرًا رأينا صراع المرأة مع نفسها الذي يتجدّد كلما جاء الليل؛ فالليل يُذكرها بالظلام والوحدة والخوف؛ ولهذا وجدناها تسهر طيلة الليل تسرد همومها حتى طلوع النهار، كي تتخلص من وحدتها القاتلة؛ فأزمة الإنسان المعاصر هي محور الصراع الدرامي؛ فالإنسان المعاصر محاط بكم كبير من الإحباطات اليومية المتلاحقة، التي تضغط عليه ليل نهار، بداية من تأمين لقمة العيش لأفراد أسرته، وصولا للأجواء السياسية المشتعلة في معظم البلاد العربية، نتيجة أطماع الدول الغربية في بلاد الشرق الأوسط، هذا الإنسان الفقير المطحون بين اقتصاد لا يعرف مبادئ الاشتراكية والعطف على عامة الشعوب العربية ـــ ملح الأرض ــــ من البسطاء المقهورين نتيجة غياب العدالة، وعدم تطبيق الديمقراطية التي نسمع عنها في نشرات الأخبار فقط، أو نقرأ عنها في الكتب.
مسرحيات تحلّيق نسبي، تُحلّق بنا في سموات القهر، بداية من قهر الموت للإنسان في المسرحية الأولى، وصولا إلى قهر الملك الظالم والسلطة المستبدة للشعب التي تجلت في فتح السجون أمام المفكرين والأدباء والشعراء وطلاب العلم، حتى يظلّ البلد يعيش في مستنقع آسن، وبركة مياه فاسدة بأمر الوزير وقائد الجند، ومباركة الملك الذي يعيش في قفص من الزجاج، لا يسمع ولا يرى إلا أصحاب المصالح المشتركة، وأخيرًا قهر المجتمع للمرأة التي لم تتزوج وتظلّ نظرات الشامتين تلاحقها ليل نهار، وكأنّها فيروس وبائي يُشكّل خطرًا على المجتمع أكثر من خطر المرأة المطلقة.