الحروب ترسم خطاها الأطماع مرة، بإستعباد الشعوب، ومرة بالتخويف والترويع، لتنال المجد على أيدي مرضى، خرب نفوسهم الاستعلاء والغرور، وتجعل من رؤس الإرهاب، قادة يتزعمون الدول والجيوش، ويستثيروا حنق الأمم والشعوب، ويجروا العالم جرا إلى شقائه، وهدم ما بنته أيد الكفاح سنوات، ليكون ركام في لحظات، فالعالم أصبح كالجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو، تداعت له سائر أنحائه بالخوف والقلق، والوبال المحقق، والضيق في الرزوق والحياة، وكلما أتسعت أو أستمرت، أتسعت دائرة الخراب والتدهور الإقتصادي والإنساني، فإذا كانت الحرب بين دولتين، تجلب الخراب على المنتصر والمهزوم، ولا تسلم من أثارها السيئة بقية دول العالم، فلماذا تصر بعض الدول على إثارة زوابع الحرب، والتهديد بها، وربما تكون هي أول الخاسرين، ولو كانت القوة في جانبها، والانتصار حليفها، وخسارتها واقعة في نواحي أخرى سياسية وإقتصادية واجتماعية وغيرها، وإذا كان الخراب يطال الجميع، غير مستثني أحد، فيجب أن يكون صوت العقل، هو الصوت الوحيد، الذي تسمعه الآذان، لا صوت الرصاص والصواريخ والقنابل، والعواقب لا شك فيها، ولا ينجو منها أحد، شارك في الحرب، أو أعتزل أطرافها، وخطرها يلحق بالإنسان، مهما كان وفي أي مكان على ظهر البسيطة، ولك أن تتعجب من التحولات الدولية بين يوم وأخر، والتكتلات التي تنشأ، وأخرى تنفض، وحلفاء الأمس أعداء اليوم، في خضم هذا التشابك في العلاقات الدولية المعقدة، تصر دولة منفردة على رسم خريطة العالم على هواها، وإعادة صياغتها كما تشاء، دون مشاركة أو مشاورة، إنما هي القوة والتهديد والعنف، كأنها في مأمن مما يطال العالم من خراب، إذا قامت حرب أو حدثت مناوشات أو اضطراب بين دولتين أو أكثر، فسياسة القوة والجبروت، سياسة عفى عليها الزمن، ولا تصلح في عالمنا المعاصر، وقد بلغ من قوة السلاح ما يجعل الأرض بلا استثناء كومة من تراب، وتتناثر أجزائها ذرات في الفضاء، ولا تُبقي منها قوي أو ضعيف، وطالما أن الأمر بهذه الخطورة الشنيعة، فلماذا لا تعمل الدول على توحيد المصير، وأن تكون المشاركة والتعاون، هو الأساس الأول للنجاة بإنفسنا، أمام تلك التحديات المهولة، وأن نجعل من خطورة التهديد، عامل يقودنا إلى التحالف بين الأمم، ونبذ فكرة الحرب التي لا تعود إلا بالوبال على الإنسان، يجب أن نسعى لخير الإنسانية، فضمير الإنسانية، يجب أن يتوحد في مواجهة الخوف والفزع، التي تخلفها الحروب من دمار، وسنوات عجاف، وموتى وثكالى، ألا تكون حروب الفكر والعقول أجدى، حين يؤمن الإنسان إيمانا عميقا راسخا أن الاختلاف طبيعة بشرية، لا مناص منها، ومن الالتزام بها، الشيء الوحيد الذي يجب أن نتفق فيه هو أننا مختلفون، يجب أن نؤمن بقوة العقل والفكر، البقاء للأفكار والمعتقدات، يجب أن ننحي السلاح، لنترك للعقل الكلمة الأولى، يدبر لنا وينصف، أن نرسخ عقائد السلام في نفوس البشر، فهل ينقطع الخلاف بين الأمم والشعوب؟ وتتوحد الأهداف؟ فلا جدال في أن الخلاف لن يزول، ولن ينقطع أبدا، ما دام هناك إنسان، فالخلاف بين الأمة وبين أفرادها، وبين العائلة الواحدة، والأسرة الواحدة، قائم ما دام هناك إنسان يفكر، فلا نريد أن تزال، ولو زالت لكانت الحياة البشرية في خطر داهم، إنما تقارب الأهداف، تقارب المشارب، ولا نجعل للخلاف أن يتسع، فلا يُرجى له حل، ويكون الحل الوحيد، هو السلاح الذي لا يُبقي ولا يذر، في عالم لا ينجو أحد من أثره ومخلفاته.