رصدت وزارة الأوقاف تقريرا هاما حول تاريخ موائد الرحمن في مصر التي أطعمت العالم على مرِّ الزمان، فموائد الرحمن على أرضها رمز العطاء والجود، والتكايا المصرية في الحجاز رمز الخير عابر الحدود، وقدمت الاوقاف تحليلًا تاريخيًا عميقًا لنشأة وتطور موائد الرحمن في مصر، مستندًا إلى أمهات الكتب التاريخية، حيث تمثل موائد الرحمن في التاريخ المصري وثيقة حية على عبقرية التراحم الاجتماعي الذي صهرته الحضارات المتعاقبة، فمن الإمام الليث بن سعد في الفسطاط، إلى تنظيمات ابن طولون، إلى بذخ الفاطميين، إلى أوقاف المماليك، إلى موائد القصور الملكية، إلى تكافل الشعب في العصر الحديث، ظلت المائدة عنوانًا للصمود النفسي والاجتماعي.
المصريون شعب تعلم الكرم من الدين والنيل
منذ أن أشرقت شمس الإسلام على أرض الكنانة والمصريون يضربون أروع الأمثلة في الكرم والجود والعطاء؛ ربما تعلموا ذلك من تمسكهم بتعاليم أديانهم، ومن كرم نيلهم الذي لا ينضب، ومن أرضهم التي تعطي بلا حدود.
في كل عام، ومع إطلالة هلال رمضان، تتحول شوارع مصر إلى موائد كبرى لا تغيب عنها الشمس، موائد الرحمن تمتد في الشوارع والساحات، لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين مسلم ومسيحي، فالكل على مائدة واحدة .
يقول الدكتور خلف عبد العظيم الميري أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس: "موائد الرحمن أمر بأعمال البر والخير والصدقات للفقراء والمساكين وعابري السبيل، ويتسع المفهوم بالممارسة وصولًا إلى ضيافة عباد الله وإكرامهم ابتغاء الثواب، واعتبار هؤلاء الضيوف هم بالأساس ضيوف الرحمن".
الجذور الفقهية لموائد الرحمن ومؤسسة الكرم في الفسطاط
لم تكن موائد الرحمن في بدايتها مجرد توزيع للصدقات، بل بدأت كفلسفة أخلاقية تبناها علماء مصر، وعلى رأسهم الإمام الليث بن سعد ، شيخ الإسلام وإمام أهل مصر في زمانه، وصاحب أحد المذاهب الإسلامية المندثرة.
وكان الليث بن سعد فقيهًا جليلًا، كما كان ثريًا جمع بين العلم والمال والكرم، كان يرى أن سعة الرزق توجب سعة العطاء، فكان يقيم في داره بالفسطاط ولائم يومية في رمضان لا يقصدها الفقراء فحسب، بل والوجهاء أيضًا، حيث وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير ليحصل لكل من أكل كثيرًا أكثر من صاحبه
ويرشدنا ذلك إلى أن الليث بن سعد نجح في تحويل الفقه من نصوص تُقرأ إلى ممارسات اجتماعية تجمع الناس بمختلف طبقاتهم، مما أوجد حالة من الوئام المجتمعي في مصر وقتئذ، وكان من شدة كرمه أنه لم تجب عليه زكاة قط، لأنه كان ينفق ماله قبل أن يحول عليه الحول.
موائد الرحمن في العصر الطولوني كأداة للضبط الاجتماعي والسياسي
شهد عام ٢٦٦هـ/٨٨٠ م نقطة تحول كبرى في تاريخ موائد الرحمن حين قرر الأمير أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية، نقل الموائد من البيوت إلى رحاب الدولة، يذكر المؤرخون أن ابن طولون كان أول من جمع أعيان مصر وتجارها في أول أيام رمضان، وخطب فيهم معاتبًا تقصيرهم في حق الفقراء، ثم أمر بفتح "الأسماط" للعامة طوال الشهر، فيذكر المقريزي:" وسوى مطابخه التي أقيمت في كل يوم للصدقات في داره وغيرها، يذبح فيها البقر والكباش، ويغرف للناس في القدور والفخار والقصاع، على كل قدر أو قصعة لكل مسكين أربعة أرغفة في اثنين منها فالوذج، والاثنان الآخران على القدر، وكانت تعمل في داره، وينادي من أحب أن يحضر دار الأمير فليحضر، وتفتح الأبواب ويدخل الناس الميدان، وابن طولون في المجلس الذي تقدم ذكره ينظر إلى المساكين، ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون، فيسره ذلك، ويحمد الله على نعمته".
تقول الرواية التاريخية: إن ابن طولون أقام في أول حكمه مأدبة لكبار رجال الدولة والتجار والأمراء في أول شهر رمضان، واستمر ذلك لمدة ثلاث سنوات، لكنه في السنة الرابعة دعا الأمراء والتجار وكبار رجال الدولة إلى وليمة فاخرة، فلما فرغوا منها خطب فيهم قائلًا: "جمعتكم لأعلمكم طريق البر بالناس، وأخبركم بأني أعلم جيدًا أنكم لستم في حاجة إلى هذا الطعام والشراب، ولكن آمركم من الآن أن تفتحوا بيوتكم، وتمدوا موائدكم للسائل والمحروم، ومن لا ينفذ هذا الأمر يتعرض لأشد العقاب".
لم يكن هدف ابن طولون الإطعام فحسب، بل أراد تثبيت أركان دولته الناشئة عبر كسب ولاء العامة، فكانت المائدة وسيلة لتحقيق التلاحم بين الحاكم والمحكوم تحت شعار "البر الإلهي" ودليل ذلك ما نقله المقريزي في كتابه:" ولقد قال له مرة إبراهيم ابن قراطغان، وكان على صدقاته: أيّد الله الأمير إنا نقف في المواضع التي تفرق فيها الصدقة، فتخرج لنا الكف الناعمة المخضوبة نقشًا، والمعصم الرائع فيه الحديدة، والكف فيها الخاتم فقال: يا هذا كل من مد يده إليك، فأعطه فهذه هي اللطيفة المستوردة التي ذكرها الله في كتابه فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فاحذر أن ترد يدًا امتدت إليك، وأعط كل من يطلب منك".
موائد الرحمن في العصر الفاطمي "دار الفطرة"
بلغ التوثيق التاريخي لموائد رمضان ذروته في العصر الفاطمي، حيث استحدث الخلفاء ما عرف بـ "دار الفطرة"، وهي مؤسسة متكاملة لإعداد الأطعمة
يقول المقريزي: "كان الخليفة العزيز بالله أول من عمل مائدة في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق (عمرو بن العاص)، وأقام طعامًا في الجامع الأزهر مباحًا لمن يحضر في شهور رجب وشعبان ورمضان".
وكان "السماط الفاطمي" في قصر الخلافة يمتد بطول يقارب الثلاثمائة ذراع، ويشمل أنواعًا نادرة من الطعام مثل: "الدجاج المسمون" والحلويات المفرطة في الإتقان، وكان يخرج من مطبخ القصر في شهر رمضان (١١٠٠) قدر من جميع ألوان الطعام توزع كل يوم على المحتاجين والضعفاء".
وهذا البذخ نتيجة ثراء الخلافة وقوتها، حيث كان يُصرف على هذه الموائد مبالغ ضخمة من ديوان النفقات، جعل القاهرة وجهة لطلبة العلم والغرباء الذين يضمنون كفايتهم في هذا الشهر الكريم .
موائد الرحمن في العصر المملوكي واستدامة الخير
تطورت في العصر المملوكي موائد الرحمن من مبادرات موسمية إلى مؤسسات دائمة بفضل نظام الأوقاف، واشتهر الأمراء والسلاطين بتخصيص أوقاف خيرية لا تنقطع، تُخصص لإطعام الفقراء والمساكين في شهر رمضان عن طريق موائد الرحمن.
ومن مظاهر هذه التوسعة: صرف رواتب إضافية لأرباب الوظائف ولحملة العلم والأيتام، ولا سيما السكر الذي يتضاعف استهلاكه في هذا الشهر بسبب الإكثار من عمل الحلوى، ولم تقتصر هذه الأوقاف على موائد رمضان، بل امتدت إلى التوسعة على الفقراء يوم عيد الفطر، حيث كان الواقفون يشترطون شراء كميات من الكعك والتمر والبندق لتوزيعها على المستحقين .
موائد الرحمن في العصر الحديث من الملكية إلى الجمهورية
مع تعاقب العصور، حافظت الأسرة العلوية على هذا التقليد العريق، وكان الملك فاروق يحرص على إقامة "موائد الملك" في ساحة قصر عابدين، وكانت القصور الملكية تفتح أبوابها لاستقبال الفقراء وعابري السبيل.
ويذكر المؤرخون أن الملك فاروق كان عادة ما يتوسط ضيوفه على الموائد الرمضانية الملكية، وكان حريصًا على أن يشارك أبناء شعبه في هذه الليالي المباركة، فأمر أن تفتح السرايا أبوابها في كل ليلة للجميع لا فرق بين غني وفقير .
مع تحول مصر إلى النظام الجمهوري، انتقلت المسؤولية تدريجيًا إلى المجتمع المدني والجمعيات الخيرية، وفي عام ١٩٦٧، تم إنشاء بنك ناصر الاجتماعي ليشرف على تمويل موائد الرحمن من أموال الزكاة، وكان يقام بجوار الجامع الأزهر أكبر مائدة إفطار تكفي لـ ٤٠٠٠ صائم
التكايا في الحجاز ذراع الخير المصرية
مصر لم تكتفِ بإطعام أبنائها داخل حدودها، بل مدت أيادي الخير إلى خارج الوطن، فمنذ أن استغاث الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بواليه على مصر سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه لما نزلت المجاعة بأهل الحجاز، يذكر المقريزي ذلك: "عن عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: إن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة الرمادة، فكتب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص وهو بمصر، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاصي سلام، أما بعد: فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه ثم يا غوثاه يردد ذلك، فكتب إليه عمرو: من عبد الله عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين، أما بعد: فيا لبيك ثم يا لبيك، قد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فبعث إليه بعير عظيمة، فلما قدمت على عمر رضي الله عنه، وسّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرًا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص يقسمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرًا بما عليه من الطعام، ليأكلوا الطعام، ويأتدموا بلحمه، ويحتذوا بجلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام فيما أرادوا من لحاف أو غيره. فوسّع الله بذلك على الناس" .
ومن يومها وخير مصر تتقاسمه مع بلاد المسلمين وأهلها، فأنشأت مصر على مر العصور التكايا المصرية في الحجاز، خاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتكون قبلة للوافدين والحجاج والمعتمرين من كل حدب وصوب.
كانت التكايا المصرية مؤسسات خيرية متكاملة تقدم الطعام والمأوى للفقراء والغرباء على مدار العام، وليس فقط في رمضان، وقد خصصت لها الأوقاف المصرية على مر العصور أموالًا لا تنقطع، امتثالًا لقول رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».
ويذكر المقريزي في خططه أن السلاطين المصرية كانت ترسل في كل عام قوافل محملة بالطعام والشراب والكسوة إلى الحرمين الشريفين، تتولى توزيعها على الفقراء والمجاورين ، واستمر هذا التقليد في العصر العثماني، حيث كانت مصر تتحمل نفقات إطعام الحجاج والفقراء في مكة والمدينة عبر ما عرف بـ "السرايا المصرية" و"التكايا السلطانية".
وفي العصر الحديث، ظلت مصر حريصة على هذا الدور، فأنشأت هيئة خيرية خاصة لرعاية الحجاج المصريين وغيرهم، وأوقفت الأوقاف على إطعام الفقراء في الحرمين الشريفين.
إن هذا البعد يكشف أن الريادة المصرية في الكرم لم تكن مجرد ظاهرة محلية، بل كانت مشروعًا إنسانيًا عابرًا للحدود، يعكس هوية مصر الحضارية ودورها الريادي في العالم الإسلامي.
تمثل موائد الرحمن في التاريخ المصري وثيقة حية على عبقرية التراحم الاجتماعي الذي صهرته الحضارات المتعاقبة، فمن الإمام الليث بن سعد في الفسطاط، إلى تنظيمات ابن طولون، إلى بذخ الفاطميين، إلى أوقاف المماليك، إلى موائد القصور الملكية، إلى تكافل الشعب في العصر الحديث، ظلت المائدة عنوانًا للصمود النفسي والاجتماعي.