دخل التصعيد العسكرى مرحلة جديدة اليوم بعدما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بدء ما وصفه بـ"عمليات قتالية كبرى" داخل إيران، فى وقت قالت فيه إسرائيل إنها نفذت ضربة استباقية ضد أهداف إيرانية، وبدء الرد الإيران،ى ورفع مستوى الطوارئ وإغلاق المجالات جوية.
فى هذا السياق، يعود إلى الواجهة كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير "The End of History and the Last Man" للمفكر الأمريكى فرانسيس فوكوياما، الصادر عام 1992 عن دار Free Press فى نيويورك، والذى توسع فيه فوكوياما فى أطروحة سبق أن طرحها بمقال بعنوان "The End of History?" فى مجلة The National Interest عام 1989.

نهاية التاريخ
ما يقوله فوكوياما في الكتاب؟
يقدم فوكوياما تعريفًا محددًا لمصطلح "نهاية التاريخ"، ليس توقف الأحداث أو انتهاء الصراعات المسلحة، بل انتهاء "التطور الأيديولوجي" الكبير بوصفه سباقًا بين بدائل كبرى على قيادة العالم، وبصياغته العامة، يرى أن الديمقراطية الليبرالية تظل النموذج الأكثر قدرة على تقديم "شرعية" سياسية مقارنةً بمنافسين تاريخيين مثل الفاشية والشيوعية، هذه الفكرة تجعل الحرب ليست نفيًا لـ"نهاية التاريخ"، بل دليلًا على أن التاريخ لا يتوقف كأحداث حتى لو استقر جدل الشرعية فى اتجاه واحد.
يربط الكتاب الاستقرار السياسى ليس بالاقتصاد وحده، بل أيضًا بما يسميه تقليدًا فلسفيًا "الرغبة فى الاعتراف"، أى حاجة البشر والدول إلى الاعتراف بالكرامة والمكانة، لا الاكتفاء بالمكاسب المادية، ومن هذه الزاوية، تصبح لحظات الحرب الكبرى – ومنها الحرب على إيران – اختبارًا حادًا لفكرة "الاعتراف"، كيف تدار مكانة الدول، وكيف تترجم الكرامة الوطنية إلى سلوك سياسي، وكيف يمكن أن تتحول مشاعر الإهانة أو التهديد إلى وقود للتصعيد.
ما يحذر منه فوكوياما في كتاب نهاية التاريخ
يتضمن الكتاب تحذيرًا واضحًا، فحتى لو ساد نموذج عالمى واحد، قد تنتج عنه مجتمعات مريحة واستهلاكية تضعف "المعنى" وتزيد قابلية عودة النزعات الهوياتية، أو الرغبة فى التفوق والمغامرة السياسية، بهذا المعنى، يقرأ بعض المهتمين أطروحة فوكوياما لا كاحتفال بانتصار نهائي، بل كتنبيه إلى أن فراغ المعنى قد يدفع السياسة الدولية إلى موجات جديدة من العنف والصدام.
لماذا يبدو الكتاب حاضرًا الآن؟
لأن الحرب على إيران جاءت بعد تعثر مسارات تفاوض مرتبطة بالبرنامج النووى بحسب روايات متقاطعة فى الأخبار، ومع لغة سياسية صريحة من واشنطن وتل أبيب تعيد تعريف الصراع باعتباره مواجهة مع "تهديد" يتجاوز حدود دولة بعينها.
إذن كتاب "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لا يتنبأ بعالم بلا حروب، بل بعالم قد يستقر فيه "جدل الشرعية" بينما تستمر الحروب كصدامات على المكانة والاعتراف والهوية، وفى لحظة الحرب على إيران، يعيد الكتاب تذكيرنا بأن الصراع لا يتوقف عند الاقتصاد أو السلاح، بل يمتد إلى سؤال: من يملك الحق فى تعريف الشرعية والأمن ومعنى الكرامة فى النظام الدولي؟