منذ انطلاق مسيرة الدراما في مطلع الستينيات مع افتتاح التليفزيون المصري، وإنتاج أول مسلسل وهو “هارب من الأيام” عن القصة الشهيرة بالاسم نفسه للكاتب ثروت أباظة، بسيناريو وحوار فيصل ندا، والذي جاء في 18 حلقة، بدأت ملامح شكل درامي جديد تتكوّن. ومنذ ذلك الحين ظل السؤال مطروحًا حول عدد الحلقات الأمثل القادر على تحقيق المعادلة بين التكثيف والجاذبية الجماهيرية.
لم يكن المسلسل المكوَّن من 30 حلقة هو الشكل الوحيد السائد، بل ظهرت مبكرًا فكرة “السباعية” المكوّنة من سبع حلقات، في سياق البحث عن تكثيف الحكاية وتقليل النفقات الإنتاجية، فقدم مخرجون كبار تجارب مهمة، من بينهم إبراهيم الصحن الذي أخرج “جراح عميقة” عام 1969، لتؤكد تلك الأعمال أن قصر العمل لا يعني بالضرورة ضعف تأثيره، بل قد يكون مصدر قوته.
هذا العام، أعادت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية الاعتبار بقوة لفكرة المسلسلات القصيرة، خاصة أعمال الـ15 حلقة التي تعرض في النصف الأول من شهر رمضان، حيث تصدرت المشهد بعدد كبير من الإنتاجات التي أعادت هيكلة شكل ومضمون المسلسل التلفزيوني. وقد نجحت هذه الأعمال في طرح قضايا معاصرة بسرد سريع وتحليل متقن، وبرؤية شبابية لمؤلفين ومخرجين ونجوم، أسهم الإيقاع المتوازن في وصولها إلى المشاهدين دون ملل.
وفي مقدمة هذه الأعمال جاء “صحاب الأرض” الذي أكد أن العمل الناجح هو ما يعتمد صناعه على حبكة محكمة وخطوط درامية متقاربة حول فكرة أو حدث محوري، مصوغ بحرفية عالية، بحيث يتفاعل معه الممثلون وكأنه واقع ملموس. وقد اختار المؤلف محمد هشام عبية رواية لعمار صبري تتسق مع الأحداث المريرة التي عاشها العالم بسبب الحرب على غزة، إدراكًا منه أن مثل هذه الموضوعات لا تحتمل المطّ أو الإطالة.
كما قدمت المؤلفة شيرين دياب مع المخرج كريم العدل تجربة مختلفة في “كان يا ما كان”، حيث كُشف عن طاقات تمثيلية مميزة للفنان ماجد الكدواني في معالجة صراعات الحياة الأسرية الناتجة عن الروتين وسوء التفاهم. ونجح العمل، بمشاركة يسرا اللوزي وعارفة عبد الرسول ونهى عابدين ويارا يوسف وجالا هشام وريتال عبد العزيز، في تقديم دراما هادئة ظاهريًا، عميقة في جوهرها، تعكس تفكك العلاقات داخل الأسرة المعاصرة.
وفي اتجاه رومانسي، سعت المتحدة إلى تعويض غياب هذه الحالة في السينما، فطرحت “اتنين غيرنا” بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني، حول رجل وامرأة من عالمين مختلفين تجمعهما الصدفة، قبل أن تتشابك خيوط الماضيويجد كل منهما في الآخر طوق نجاة من أزماته. وشارك في بطولته هنادي مهنا وصابرين النجيلي وناردين فرج، وأخرجه خالد الحلفاوي.
وعلى النقيض، خاضت هند صبري تجربة ذات طابع شعبي في “مناعة”، محاولة استعادة أجواء عالم المخدرات الذي سبق أن قدمته في فيلم “الجزيرة”. تدور الأحداث في حي الباطنية خلال الثمانينيات، حول امرأة عشرينية تجد نفسها بعد مقتل زوجها مسؤولة عن ثلاثة أطفال، في مواجهة عالم لم تعهده من قبل. وشارك في العمل رياض الخولي وأحمد خالد صالح وخالد سليم ومها نصار وكريم قاسم وأحمد الشامي وعماد صفوت وهدى الإتربي وميمي جمال، وهو من تأليف عمرو الدالي وإخراج حسين المنباوي.
أما المفاجأة الكبرى فكانت “عين سحرية”، الذي تصدر نسب المشاهدة، وشكّل نقطة تحول مهمة لأبطاله عصام عمر وباسم سمرة. تدور الأحداث في إطار اجتماعي تشويقي حول فني تركيب كاميرات مراقبة يتورط في جريمة قتل، قبل أن يدخل حياته محامٍ غامض، لتتحول العلاقة بينهما إلى ثنائي يكشف ملفات فساد كبرى. وشارك في البطولة عمرو عبد الجليل وسما إبراهيم، والعمل من تأليف هشام هلال وإخراج السدير مسعود.
كما شهد الموسم أولى تجارب مايا أشرف زكي الإخراجية في “حد أقصى”، حيث قدمت روجينا في شخصية سيدة تتورط دون قصد في جريمة غسيل أموال بعد دخول مبلغ مالي ضخم إلى حسابها البنكي، لتجد نفسها في مواجهة شبكة معقدة من الاتهامات والمخاطر. وشاركها البطولة محمد القس وخالد كمال ومريم أشرف زكي وفدوى عابد، وهو من تأليف هشام هلال.
ويُعد “توابع” من أبرز مكاسب الموسم، مؤكّدًا حضور بطلته ريهام حجاج، إذ ناقش عالم المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال شخصية سيدة ذات شعبية طاغية، تعيش صراعًا بين ماضيها وحاضرها، في محاولة للحفاظ على توازنها النفسي وسط ضغوط الشهرة. وشارك في العمل أسماء أبو اليزيد وأنوشكا ومحمد علاء وسوسن بدر وهاني عادل، ومن تأليف محمد ناير وإخراج يحيى إسماعيل.
وبلغة هادئة جاء “كلهم بيحبوا مودي” لياسر جلال، الذي سعى من خلاله إلى الخروج من نمط أدواره السابقة، مجسدًا شخصية رجل أعمال ثري اعتاد تلبية كل رغباته منذ الطفولة، قبل أن يفقد ثروته بالكامل، ويجد نفسه مضطرًا للزواج من سيدة ثرية تنتمي إلى طبقة شعبية لإنقاذ نفسه من الإفلاس، في إطار اجتماعي كوميدي مليء بالمفارقات. وشاركه البطولة ميرفت أمين وإيتن عامر ومصطفى أبو سريع وجوري بكر، والعمل من تأليف أيمن سلامة وإخراج أحمد شفيق.
بهذا الحضور الكثيف لأعمال الـ15 حلقة، يتأكد أن المسلسل القصير لم يعد مجرد حلّ إنتاجي لتقليل التكاليف، بل أصبح خيارًا فنيًا وسرديًا يعيد تعريف علاقة الجمهور بالحكاية، ويبرهن أن التكثيف قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من الإطالة، وهو نهج سيصب في مصلحة الشركة المنتجة والنجون ويستوعب حكايات وممثلين أكثر من ذي قبل.النصف الثاني ينتظر أيضا تجارب مماثلة بتجديد لروح المشاهدة وكسر للروتين الذى يتسبب فيه في كثير من الأحيان مسلسل ال30 حلقة ، إن لم ينجح في لفت الإنتباه وتحقيق معادلة مسلسل طويل بمشاهدة مستمرة ومحافظا على نسب المشاهدة .