حسين السيد يكتب: بين الكندى والجاحظ

السبت، 28 فبراير 2026 06:00 م
حسين السيد يكتب: بين الكندى والجاحظ أبو يعقوب الكندى

رووا أن فيلسوف العرب أبا يعقوب الكندى قد أوصى ولده أبا العباس وصية غريبة، وهو فيها متشائم إلى أقصى درجة، فالأخ فى نظره فخ، والعم غم، والخال وبال، فقال:"يا بنى، الأب ربٌّ، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب. وقول لا يصرف البلا، وقول نعم يزيل النعم، وسماع الغناء برسامٌ حاد (علة يُهذَى فيها، أو التهاب فى الغشاء المحيط بالرئة)؛ لأن الإنسان يسمع فيطرب وينفق فيسرف فيفتقر فيغتم فيعتل فيموت. والدينار محمومٌ فإن صرفته مات، والدرهم محبوسٌ فإن أخرجته فرَّ، والناس سخرة فخذ شيئهم واحفظ شيئك. ولا تقبل من قال اليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بلاقعَ (الخالى من كل شىء)".

هذه هى وصية أبى يعقوب الكندى كما نقلها ابن أبى أصيبعة من كتاب "المقدمات" لابن بختويه، وذكرها فى كتابه "عيون الأنباء فى طبقات الأطباء"، ولم يقطع ابن أبى أصيبعة بصحة نسبتها إلى الكندى، فقال معلقا عليها:"أقول: وإن كانت هذه من وصية الكندى فقد صدق ما حكاه عنه ابن النديم البغدادى فى كتابه فإنه قال إن الكندى كان بخيلا"، فالرجل هنا استخدم "إن" الشرطية التى لا تفيد اليقين، وإنما مجرد احتمال، وهذا ما ذهب إليه الدكتور أحمد فؤاد الأهوانى فى كتابه "الكندى.. فيلسوف العرب"، وقال أيضا: إن أسلوب هذه الوصية يختلف عن أسلوب الكندى، فضلا عن أنها نسبت إلى كثيرين غيره. وما أراه أنها ليست له، وإنما نحلت إليه، وأسلوبها كما ذكر الدكتور الأهوانى يختلف عن أسلوب الكندى، فهى تعتمد على السجع والتكلف، وما كان هذا أسلوب الكندى.
أما الكندى فهو أبو يوسف يعقوب بن إسحق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس، أول فيلسوف عربى مسلم، وكان جده الأشعث من قبيلة كندة بكسر الكاف، أسلم ثم ارتد بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم، ثم حسن إسلامه بعد ذلك وتزوج بأخت أبى بكر الصديق وتدعى أم فروة، وأنجب منها محمدًا الجد الرابع لفيلسوفنا. وتولى إسحاق بن الصباح سنة 159 هـ، والد يعقوب، إمارة الكوفة فى عهد الخليفة العباسى المهدى، وسكن يعقوب معه فى قصر الإمارة.
وهذا أمر حيَّرنى وشغل تفكيرى؛ إذ كيف يكون يعقوب من بيت الأمراء وسليل الملك وربيب المجد ومع هذا يوصف بالبخل والشح والتقتير؟! لماذا ذكره الجاحظ إذن ضمن البخلاء شديدى البخل فى كتابه "البخلاء"؟ فمن عاش فى قصور الأمراء لم يكن محروما؛ فكل شىء مجاب بالنسبة إليه، كما أن يعقوب ورث عن أبيه أو آبائه الضياع والممتلكات.
نسوق ما أورده الجاحظ فى البخلاء، وحسبنا هذه القطعة الصغيرة؛ حيث زعم أن الكندى كان يقول لكل من يسكن بيته بالإيجار، أو حتى للجيران: إن فى بيته امرأة حاملا، وتشتهى الأكل الذى يطبخونه، لرائحته القوية، فلو لم تأكل - ولو لقمة واحدة أو لعقة - فربما سقط حملها، ولو سقط فعليكم كفارة وهى أن تهبونا عبدا أو أمة، وإلى نص الجاحظ الممتع: "حدثنى عمرو بن نِهْيَوِىٍّ قال: كان الكندى لا يزال يقول للساكن، وربما قال للجار: إن فى الدار امرأة بها حَمْل، والوحْمَى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة، فإذا طبختم فردُّوا شهوتها ولو بغرفة أو لعقة؛ فإنَّ النفس يردها اليسير، فإن لم تفعل ذلك بعد إعلامى إياك، فكفارتك - إن أسقطت - غُرَّةٌ، عبدٌ أو أمة، ألزمت ذلك نفسك أم أبيت".
تعد قصة الكندى من أجمل ما كُتب فى البخل، ومن أروع ما فى كتاب البخلاء. وإجمالا يعلق الدكتور طه حسين فى كتابه "من حديث الشعر والنثر" على هذه القصة: فى هذه السهولة وهذا اليسر والجمال يصور لنا الجاحظ الخصومات، لا كما كانت تقع بين الملاك والمستأجرين فى بغداد، بل كما تقع هنا فى القاهرة".
ذكر الدكتور طه الحاجرى محقق الكتاب أن قصة الكندى من أحسن ما خلف الجاحظ من الآثار الفنية: دقة فى الوصف، وروعة فى التحليل، وجمالا فى العبارة.
وهذا كلام لا يقبله عقل، هل وصلت الحال بأبى يعقوب الكندى إلى عدم قدرته على الإنفاق على نساء بيته وخاصة الحوامل منهن؟! فمن جانبى لا أميل إلى تصديق هذه الرواية، وأزعم أن الكندى هذا غير الكندى الفيلسوف، وأنا تابع فى هذا للدكتور طه الحاجرى؛ إذ ساق الأدلة على أن الكندى الذى حدثنا عنه الجاحظ ليس هو الكندى الفيلسوف، ومن ذلك أن القصة تشير إلى أنه بصرى من أهل البصرة وليس بغداديا، رغم أن الفيسلوف انتقل إلى بغداد وتأدب فيها وأقام بها حتى أصبح بغداديا. كذلك فإن كندى البخلاء لم تكن له إلا غلة داره، أى ليس له إلا دخل إلا من بيت يقوم بتأجيره، أما الفيلسوف فكانت له ضيعة بالبصرة، وغير ما ورثه عن أبيه الأمير.
أضيف بدورى سببا آخر يجعلنى أقتنع بأن كندى البخلاء ليس هو الفيلسوف المعروف، وهو أن هذه القصة إن صحت نسبتها إلى فيلسوفنا فربما تكون قد وضعت عليه لتشويه صورته، إما غيرة منه، أو حسدا عليه لعلمه ولقربه من الخليفة المأمون، وهذا ما ذكره ابن أبى أصيبعة، فذكر أن بنى موسى بن شاكر كانوا يكيدون كل من ذكر بالتقدم فى المعرفة، حتى إنهم دبروا على الكندى حتى ضربه الخليفة المتوكل، واستولى بنو شاكر على مكتبة الكندى النفيسة. وللدكتور الأهوانى فصل بعنوان "المحسود"، يمكن الرجوع إليه للتأكد من أنهم حاولوا تشويه صورته؛ حتى إن الإمام عبدالقاهر الجرجانى صاحب "دلائل الإعجاز" نقل عن ابن الأنبارى حكاية تبين مدى جهل أبى يعقوب بالفروق بين مواضع الألفاظ واختلاف المعانى باختلاف التراكيب.

ونلاحظ أيضا أن الجاحظ عنون موضوعه بـ"قصة الكندى" ولم يعنونها بقصة أبى يعقوب الكندى مثلا، أو لم يضف كلمة الفيسلوف، فتكون قصة الكندى الفيلسوف، وهذا العنوان لا يقطع بأن يكون هو الفيلسوف الشهير، ولا تقطع أيضا بأنه شخص آخر، فهى إذن تحتمل الاثنين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة