الناقد الكويتى عبد الستار ناجى يكتب: الدراما المصرية تذهب بعيدا فى صحاب الأرض

السبت، 28 فبراير 2026 05:36 م
الناقد الكويتى عبد الستار ناجى يكتب: الدراما المصرية تذهب بعيدا فى صحاب الأرض الناقد الكويتي عبد الستار ناجي

0:00 / 0:00

تعد الدراما التلفزيونية، في أرقى تجلياتها، وسيلة لتوثيق الذاكرة الجمعية للشعوب، ومن هذا المنطلق يأتي مسلسل "صحاب الأرض" ليمثل صرخة فنية مدوية ونقطة تحول جوهرية في تاريخ الدراما العربية المعاصرة. انها الكينونة وليس سواها التى تليق بصناعة الانتاج الاعلامي المصري .

إن القيمة الفنية والسياسية لهذا العمل تتجاوز حدود الترفيه المعتاد، لتصبح وثيقة بصرية وحقوقية تؤرخ لمرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة العربية، وتحديداً ما تعرضت له غزة الأبية وشعبها الصامد من اعتداءات وحشية، مسلطاً الضوء على جذور الصراع ومعاناة الإنسان الفلسطيني في مواجهة آلة القتل والتهجير.

تتجلى في "أصحاب الأرض" عبقرية صناعة الدراما المصرية وقدرتها الفائقة على قيادة الرأي العام العربي وتوجيه البوصلة نحو القضايا المصيرية. لقد أثبت هذا العمل أن الريادة المصرية ليست مجرد إرث قديم، بل هي قدرة متجددة على تطويع أدوات الفن لخدمة الحقيقة.

وما يثير الدهشة والتقدير في هذا المسلسل هو تلك "الصنعة العالية" في التنفيذ التقني والمكاني؛ فالمشاهد الذي يتابع أحداث المسلسل يجد نفسه غارقاً في أزقة غزة وشوارعها وبيوتها المكلومة، ويخيل إليه أن الكاميرا جابت حواري القطاع الحقيقية، بينما الحقيقة الفنية المذهلة هي أن العمل صُور بالكامل داخل مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر. هنا تبرز مهارة مهندسي الديكور ومنفذي المواقع الذين شيدوا صروحاً تحاكي الواقع بدقة متناهية، من آثار القصف إلى تفاصيل البيوت العتيقة، مما أعطى للعمل مصداقية بصرية هزت مشاعر المشاهدين وجعلتهم يعيشون مأساة "صحاب الأرض" لحظة بلحظة.

وعلى صعيد الأداء التمثيلي، قدمت النجمة منة شلبي واحداً من أصعب وأرقى أدوارها، حيث تخلت عن كل أدوات النجومية التقليدية لتذوب في ملامح المرأة الفلسطينية الصابرة والمقاومة. لقد استطاعت منة شلبي بعينيها اللتين تعكسان مزيجاً من الانكسار والإباء، أن تنقل للعالم صوت الأمهات والزوجات اللواتي يودعن فلذات أكبادهن كل يوم في – صحاب الارض – منه شلبي ترتقي الى منطقة قصية من الاشتغال على الذات لتكون في منطقة ابداعية تتطلي الكثير من الغوص في اعماق الشخصية وتطورها .. منطقة تستدعي حلول اضافية في التمثيل والمعايشة ومن قبلها الايمان القضية .  وبجانبها تألق الفنان الأردني إياد نصارالذي أثبت مرة أخرى أنه فنان المهمات الصعبة، حيث قدم أداءً متزناً وعميقاً يلامس الوجدان، معبراً عن صراع الإنسان بين غريزة البقاء وواجب التضحية.


ولا يكتمل مثلث الإبداع التمثيلي دون الإشارة إلى الحضور الطاغي للممثل الفلسطيني القدير كامل الباشا، الذي منح العمل صبغة الواقعية المطلقة؛ فوجوده لم يكن مجرد تمثيل، بل كان تجسيداً للتاريخ الحي والذاكرة التي لا تشيخ، حيث قدم دوراً محورياً عكس من خلاله ثبات صاحب الأرض في وجه الريح.

أما المايسترو الذي أدار هذه الملحمة، فهو المخرج القدير بيتر ميمي، الذي أكد عبر رؤيته الإبداعية أنه يمتلك أدوات "السينما التلفزيونية" بمواصفات عالمية. استطاع بيتر ميمي أن يوازن بين المشاهد القتالية والتفجيرات التي نفذت بحرفية هوليوودية، وبين المشاهد الإنسانية الصامتة التي تخاطب الروح. لقد نجح في صياغة كادرات بصرية تفيض بالرموز، محولاً صراخ الضحايا إلى نشيد للمقاومة، ومستخدماً الإضاءة والزوايا ليبرز التناقض بين عتمة الحصار ونور الإيمان بالقضية.

وفي الاطار التقني لا بد من التوقف امام الجهد السخي المبذول على صعيد اعمال الجرافيكس والمؤثرات البصرية حيث الثنائي المتميز محمد كنطاوي واحمد شحاته وكلاهما يحلق في فضاءات احترافية عالمية بعيدة المنال .
وفي خط متوازي هناك الموسيقيا التصويرية الرائعة التى صاغها الموسيقار امين ابوحافة التى خلق توليفة موسيقية تظل حارة كما النبض حيث الالم والوجع والقهر والعزيمة .. مفردات تتحول الى لغة موسيقية .

أما عن مضامين المسلسل، فقد أثار "صحاب الأرض" جدلاً واسعاً منذ حلقاته الأولى، نظراً لجرأته في كشف زيف الروايات المعادية واستعراضه لأحداث واقعية مؤلمة، مثل استهداف المستشفيات والمدارس وحكايات العائلات التي شطبت من السجل المدني. المسلسل لم يكتفِ بعرض الجانب المأساوي، بل ركز على فكرة "الأرض كعقيدة"، وكيف يتحول الحجر في يد الطفل إلى سلاح، وكيف تظل مفاتيح البيوت القديمة تورث من جد إلى حفيد كعهد لا يقبل القسمة.

إن "صحاب الأرض" هو انتصار للصناعة المصرية وللضمير العربي، وهو تذكير بأن الدراما حين تمتلك القضية والرؤية، تتحول إلى سلاح أمضى من الرصاص. لقد نجح فريق العمل في تقديم ملحمة ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال، مؤكدين أن غزة، وإن حوصرت جغرافياً، فإنها تسكن في قلب كل مبدع آمن بحق الإنسان في العيش بكرامة فوق ترابه الوطني.


حتى لا نطيل نقول .. مسلسل – صحاب الارض – ليس مجرد مسلسل بل هو وثيقة الم ومعاناة صيغت باحترافية تلفزيونية عالية عبر صناعة الانتاج الدرامي المصري حيث الشركة المتحدة للخدمات الاعلامية التى تتجاوز حدود التفكير في الربح اوالخسارة الى الكينونة بمستوى امال واحلام الامة العربية .. برافو.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة