د. محمد عبدالرحمن الضوينى

صناعةُ الجَبْر: كيف نكونُ بابَ خيرٍ فى حياةِ الآخرين؟

الجمعة، 27 فبراير 2026 08:51 م


فى زمنٍ تتزاحمُ فيه الأزماتُ وتشتدُّ فيه وطأةُ الهمومِ على القلوبِ، تبرزُ قيمةٌ أخلاقيةٌ من أعظمِ ما تتجلّى به سماحةُ الإسلامِ،ألا وهي»جبرِ الخواطرِ»، ذلك الخُلُقُ الذى يُعدُّ صناعةً أخلاقيةً تُحسنُ بها النفوسُ تضميدَ القلوبِ، وتخفيفَ الآلامِ، وبثَّ الأملِ فى الأرواحِ المنكسرةِ


والجبرَ فى معناهُ الأصيلِ هو إعادةُ التوازنِ إلى نفسٍ اختلَّت، أو قلبٍ انكسرَ، أو روحٍ أثقلتها الحياةُ. وهو لونٌ من الإحسانِ الخفيِّ الذى لا يحتاجُ إلى مالٍ كثيرٍ، بقدرِ ما يحتاجُ إلى قلبٍ حيٍّ، ونفسٍ زكيّةٍ.


وقد أرشدتِ الشريعةُ إلى هذا المعنى بأبلغِ بيانٍ، فجعلتِ الإحسانَ إلى الناسِ بابًا من أبوابِ القربِ من اللهِ، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، والإحسانُ يشملُ كلَّ ما يُدخلُ السرورَ على قلبِ إنسانٍ.


وإنَّ رمضانَ شهرُ إقبالٍ على الإحسانِ، وتربية للنفسِ على الرحمةِ. فإذا كان الصائمُ يتركُ شهوتهُ امتثالًا لأمرِ اللهِ، فإنَّ من تمامِ صيامِهِ أن يتركَ ما يكسرُ القلوبَ، وأن يسعى فيما يجبرُها؛ إذ لا معنى لعبادةٍ تُهذِّبُ الجسدَ ولا تُصلحُ القلبَ، ولا قيمةَ لصومٍ يمنعُ الطعامَ ولا يُطلقُ الرحمةَ فى التعاملِ.


وقد دلَّ القرآنُ الكريمُ على أنَّ روحَ هذا الشهرِ تقومُ على البذلِ والإحسانِ، فقال تعالى فى آياتِ الصيامِ:
(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ومن شكرِ النعمةِ أن تمتدَّ آثارُها إلى الناسِ رحمةً وعونًا ومواساةً. وجاء فى السنة (أنَّ النبيَّ ﷺ كان أجودَ ما يكونُ فى رمضانَ)، فالصومُ يوقظُ فى النفسِ ينابيعَ الكرمِ، ويجعلُ الإحسانَ فيها سجيّةً. وفى الحديثِ الشريفِ: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ»، ولا نفعَ أعظمُ من كلمةٍ ترفعُ معنوياتِ مكسورٍ، أو موقفٍ يُساندُ ضعيفًا، أو ابتسامةٍ تُحيى فى النفسِ رجاءً كاد يخبو.


وفى رمضانَ تتجلّى صناعةُ الجبرِ فى صورٍ كثيرةٍ منها: جبرُ المشاعرِ بحسنِ الكلمةِ، ولينِ الخطابِ، واجتنابِ ما يُؤذى القلوبَ. وجبرُ الحاجةِ بالسعيِ فى قضاءِ مصالحِ الناسِ، وإعانةِ المحتاجِ. وجبرُ الوحدةِ بالسؤالِ عن الغائبِ، ومواساةِ الحزينِ والمهمومِ.


وختامًا: إنَّ صناعةَ الجبرِ من صميمِ الرسالةِ الأخلاقيةِ التى جاء بها الإسلامُ، ومن جوهرِ الإنسانيةِ التى تسمو بها المجتمعاتُ، ومن أرادَ أن يكونَ قريبًا من اللهِ، محبوبًا بين الناسِ، فليتخذْ من جبرِ الخواطرِ طريقًا، ومن الإحسانِ منهجًا، ومن الرحمةِ شعارًا؛ فبذلك تُبنى القلوبُ وتصلحُ النفوسُ، ويعمُّ الخيرُ حيثما وُجدَ أهلُ الجبرِ والإحسانِ.


وما أحوجَ المسلمَ أن يجعلَ لنفسهِ فى كلِّ يومٍ من رمضانَ نصيبًا من جبرِ الخواطرِ: كلمةٌ طيبةٌ، صدقةٌ خفيّةٌ، إفطارُ صائمٍ، صلةُ رحمٍ، أو ابتسامةٌ تُحيى الأملَ فى نفسٍ متعبةٍ، فهذه الأعمالُ وإن صغرتْ فى ظاهرِها، فإنَّها فى ميزانِ رمضانَ تتضاعفُ، ومن هنا كان الجبرُ فى هذا الشهرِ أصدقَ إحساسًا، وأعمقَ أثرًا، وأقربَ إلى القبولِ




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة