مع التوسع الهائل في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، لم تعد النقاشات حوله تقتصر على الاقتصاد أو سوق العمل، بل امتدت إلى أسئلة فلسفية ودينية عميقة تتعلق بتأثيره على وعي الإنسان ومستقبله، ومن بين أكثر الأسئلة إثارة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي: هل توجد أوجه تشابه بين المسيخ الدجال والذكاء الاصطناعي؟
ورغم حساسية المقارنة، يؤكد متخصصون أن الحديث هنا لا يتعلق بربط عقائدي مباشر، وإنما بقراءة فكرية رمزية تحاول فهم طبيعة التأثير الذي تمارسه التكنولوجيا الحديثة على الإنسان.
في التصورات الدينية المرتبطة بشخصية المسيخ الدجال، ترتبط الفتنة الكبرى بقدرة هائلة على الإقناع وإظهار ما يبدو حقيقة للناس رغم كونه خداعًا، وبالمقابل، أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا اليوم على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو شديدة الواقعية، لدرجة يصعب أحيانًا التمييز فيها بين الحقيقي والمصطنع، وهو ما يفتح الباب أمام مخاوف تتعلق بتضليل الرأي العام وصناعة واقع رقمي بديل.
إن أخطر ما يميز العصر الرقمي هو السيطرة غير المباشرة عبر البيانات والخوارزميات، حيث تؤثر أنظمة الذكاء الاصطناعي في اختيارات المستخدمين، بداية من الأخبار التي يشاهدونها وصولًا إلى القرارات الشرائية وحتى القناعات الفكرية؛ هذا التأثير يعيد طرح فكرة «الفتنة» بوصفها اختبارًا لوعي الإنسان وقدرته على التمييز، خاصة في ظل تدفق معلوماتي هائل قد يحمل الحقيقة كما قد يحمل التضليل.
ومع تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدأ بعض الأفراد الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات شخصية حساسة، مثل الاستشارات الصحية أو النفسية أو الحياتية، وهو ما يثير تساؤلات حول تراجع التفكير النقدي لدى الإنسان عندما تتحول التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى مرجعية بديلة.
ويحذر خبراء من أن تسليم القرارات بالكامل للآلة قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف القدرة الإنسانية على التحليل والتقييم المستقل.
الانبهار بالتطور التقني ليس أمرًا جديدًا في تاريخ البشرية، إلا أن الذكاء الاصطناعي خلق مستوى غير مسبوق من الإبهار، دفع البعض للاعتقاد بامتلاكه معرفة شبه مطلقة، رغم كونه في النهاية نتاجًا بشريًا يعتمد على البيانات والبرمجة.
ورغم أوجه التشابه الرمزية التي يطرحها البعض، يبقى الفرق الأساسي واضحًا؛ فالمسيخ الدجال في المعتقدات الدينية شخصية غيبية مرتبطة بأحداث آخر الزمان، بينما الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية صنعها الإنسان ويمكن التحكم فيها وتوجيهها.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في كيفية استخدامه، فالتكنولوجيا قد تكون وسيلة للمعرفة والتقدم، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة تضليل إذا غاب الوعي النقدي.
ويبقى السؤال المطروح في عصر الثورة الرقمية: هل سيظل الإنسان قادرًا على التمييز بين الحقيقة والوهم، أم أن الاعتماد المتزايد على الآلة سيعيد تشكيل طريقة فهمه للعالم من حوله؟