الإنسان في عمق تجربته مع الحياة يعيش بين خوفين، خوف من فقر قادم، وخوف من ضياع ما بين يديه، تتقلب الأيام، وتتغير الوظائف والأسواق، ويبقى سؤال واحد في القلب، من الذي يضمن لي رزقي حقًّا؟ هنا يكتسب اسم الله "الرزّاق" معناه العميق، فهو ضامن داخلي لاستمرار الحياة، ومعنى يربط لقمة الخبز اليومية باسم من أسماء الله الحسنى.
اسم "الرزاق" ورد نصًّا في القرآن الكريم بصيغة المبالغة، مقرونًا بصفة القوة، "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" (الذاريات: 58)، وهذه الآية هي الموضع الصريح لورود الاسم بصيغة "الرزّاق"، وقد قرره المفسرون كاسم من أسماء الله الحسنى، كما وردت مشتقّات الجذر "ر ز ق" في مواضع كثيرة، منها، "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا" (هود: 6)، "اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ" (الرعد: 26، مواضع أخرى)، "قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ" (سبأ: 36).
اسم الله "الرزّاق" في السنّة النبوية، قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه، "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (أخرجه أحمد والترمذي، وصححه جمع من أهل الحديث)، وإن كان لفظ "الرزّاق" لم يرد صريحًا في هذا الحديث، إلا أنّ مضمون الحديث يقرر معنى الرزق المنسوب إلى الله وحده، ويؤكد أن التوكل الصحيح يكشف للإنسان عن حقيقة هذا الاسم.
أما اسم الله الرزاق في اللغة، ففي "لسان العرب" لابن منظور، "الرِّزق: ما يُنتفع به، وقيل: الرزق ما يُقوّت به... والرَّزّاق من صفات الله تعالى، وهو كثير الرزق لعباده، في "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني، "الرزق: ما ينتفع به حيًّا كان أو غير حيّ، دنيويًّا كان أو أخرويًّا... والرازق في الحقيقة هو الله تعالى، ولا يقال لغيره رازق على الإطلاق، وإنما يقال على جهة المجاز"، إذن، الرزق في اللغة لا يقتصر على المال، بل يشمل كل ما ينتفع به العبد، من طعام وشراب وصحة وعلم وأمان، بل حتى الهداية تعدّ "رزقًا".
أما "الرزّاق" على وزن "فعّال"، وصيغة "فعّال" في العربية تدلّ على المبالغة في الفعل وكثرته واستمراره، فيكون المعنى، الذي يكثر منه الرزق، ويتجدّد عطاؤه بلا انقطاع.
اسم الله الرزّاق عند المفسّرين، يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" (الذاريات: 58)، "الرزّاق: كثير الرزق لعباده، القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، لا يَعْزُب عنه رزقُ أحدٍ منهم"، فالطبري يربط بين الرزق وبين العلم والحفظ، فالله يرزق لأنه يعلم حاجات خلقه، ويتولّى القيام عليهم.
ويقول ابن كثير في تفسير الآية نفسها، "أي: هو متكفل بأرزاق المخلوقات، من السماء والأرض، لا يعجزه شيء، ولا ينقص ما عنده، بل لا تزال خزائنه ملأى، لو أن أولكم وآخركم... سألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر"، فيربط ابن كثير بين اسم "الرزّاق" وبين سعة خزائن الله التي لا تنفد، مستشهدًا بالحديث القدسي المعروف (أخرجه مسلم).
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره، "الرزّاق لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وهو يرزق المتقين رزقًا خاصًّا، فيجعل لهم مخرجًا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، ويرزق قلوبهم العلم والإيمان والطمأنينة"، فالسعدي يميّز بين رزق عام يشمل جميع الخلق، ورزق خاص لأوليائه: رزق معنوي وروحي.
اسم الله "الرزّاق" في كتب العقيدة والتصوّف، يقول أبو حامد الغزالي في شرح اسم "الرازق" (ويدخل فيه "الرزّاق" من باب أولى)، "الرازق هو الذي خلق الأرزاق وأوصلها إلى الأرزاق، ثم هيّأ للعبد الاستفادة منها، وجعل له القوى والآلات التي بها يتناول رزقه، هنا يتسع معنى الرزق عند الغزالي ليشمل، خلق الأرزاق ذاتها، تيسير وصولها للعبد، تمكينه من الانتفاع بها عن طريق القوى والحواس والعقل.
ويتعامل ابن القيم مع قضية الرزق في أكثر من كتاب، منها "مدارج السالكين" و"طريق الهجرتين". ومن خلاصات كلامه، أن الرزق نوعان، رزقٌ مضمون: وهو ما كُتب لكل مخلوق من قوت ومعاش، لا بد أن يبلغه، رزقٌ موعودٌ مشروط: وهو الذي يرتبط بالطاعة والتقوى، كما في قوله تعالى "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق: 2–3)، وأن التوكّل الصحيح على الله أحد أعظم أبواب تحصيل الرزق.
ومع ذلك فإن الإيمان بأن الله هو الرزّاق لا يعني إهمال العمل، لكنّه يصحّح ترتيب القلب، يعمل الإنسان، ويتعلّم، ويسعى في الأرض، لكنّه في داخله يعلم أن الرزق ليس من الوظيفة في ذاتها، بل من الذي يفتح باب الوظيفة، ويمنح الصحّة، ويهيّئ الفرص.
حين يتأمّل المؤمن قوله تعالى: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا" (هود: 6)، يدرك أن نصيبه من الرزق لن يأخذه غيره، وأن ما كُتب له سيأتيه في وقته، فيهدأ قلبه من داخل، حتى لو ظلّ واقعيًّا في سعيه.
ومن يفهم اسم الله "الرزّاق" يدرك أن الناس أسباب لا مصادر، فيتعامل معهم باحترام لا بتعبد، ويطلب منهم ما يليق بالبشر، لكنه لا يعلق قلبه إلا بمن بيده الرزق حقًّا.