حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة اليوم الجمعة بعنوان "أيام الله فى رمضان"، موضحة أن الهدف المراد توصيله: التوعية بأن شهر رمضان شهر الجد والنشاط والعمل وهو شهر الانتصارات كالعاشر من رمضان وبدر وعين جالوت، على أن تكون الخطبة الثانية: ظاهرة عدم مساعدة الزوج لزوجته.
أيام الله في رمضان
الحمد لله الذي جعل رمضان ميدانا للمسابقة، وموسما للفتوحات والموافقة، نحمده سبحانه على نعم سبغت، وفضائل عمت، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، قاد الغر المحجلين في ميادين اليقين، ففتح بالقرآن قلوبا غلفا، وبالحق بلادا شتى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فيا عبد الله:
١- استشرف معاني النصر المبين، وأقبل بقلبك على رب العالمين، فرمضان شهر الفتوحات الكبرى، والانتصارات العظمى، فيه تنتصر على نفسك، وتتحرر من أسر هواك، فأنت الغالب بصبرك الجميل، فاجعل صيامك معراج الروح، وابدأ رحلة الفتح القريب، فالنصر يبدأ بصفاء اليقين، فكن مفتاحا لخير البلاد، وصانعا لمجد العباد، وتحرر من قيود الكسل بالعمل، واهزم غبار اليأس بالأمل، فمن نصر مولاه أعانه، ومن أقبل صادقا هداه؛ فشد بالتقوى عزمك، وأسرج باليقين دربك، وطهر بالإخلاص قلبك، وروض بالطاعة جوارحك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.
٢- انظر لتاريخ أمتك الماجد، وأبصر تجليات الحق سبحانه، كيف جعل من أيام رمضان ميقاتا لأعظم الفتوحات، واستلهم سر هذا الشهر في شحذ همم الرجال، وكن وارثا لأرواح شربت من معين الوحيين الشريفين، فانطلقت لتجعل من رمضان موسم الانتصارات، وتجلي الفتوحات، ففي بدر الكبرى نصر، وفي فتح مكة مجد، وفي فتح الأندلس رفعة، وفي فتح صقلية بهجة، وفي فتح عمورية هيبة، وفي حطين نصر ومنعة، وفي عين جالوت عزة، وفي العاشر من رمضان أعاد الأبطال كرامة أمة، فاستقبل أنوار فجر جديد، وأمل نصر موعود؛ فأعل بالحق ذكرك، وارفع بالصدق قدرك، وشيد بالعزم المرام، وحلق بروحك بسلام، كما قال الله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾.
٣- كن منبعا للرحمة والفتح، واجعل من صومك محرابا تفيض منه أنوار القيم والجمال، واقتد بالجناب المعظم في فتح مكة؛ إذ حول مرارة الاغتراب ومحنة الطرد إلى بهاء الفتح ومنحة العفو، معلنا للعالمين أن اليوم يوم المرحمة، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ليرسم لك طريق الانتصار الحقيقي بسماحة الخلق، مستحضرا قوله ﷺ الذي يبعث الطمأنينة في قلوب الصابرين: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»، وتدبر في سير الفاتحين الذين لم يثنهم جوع الصيام عن عظيم المهام، واستلهم من عين جالوت كيف يكون اليقين، حين وقف السلطان سيف الدين قطز صائما ثابتا، يرقب آفاق النصر، ويقول بلسان الواثق بموعود ربه: "لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلواتهم"، لقد استلهم قطز ثباته من رؤيا صباه حين بشره النبي ﷺ بملك الديار وكسر التتار، وكما كسر قطز بصدق يقينه جحافل العدوان، فانتصر أنت بجمال إحسانك على غضبك، وبسعة حلمك على جهل من حولك؛ لتكون فتحا مبينا يفتح مغاليق القلوب، ويستنبت الأمل في النفوس، فشيد بالتقوى صرح البنيان، وكن بصدقك رفيع الشأن، واطرق بيقينك كل الأبواب، وافتح بإخلاصك مغلق الأسباب، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾.
٤-استلهم روح العاشر من رمضان، وتأمل تلك اللحظة الخالدة، حين عبر الأبطال حصون اليأس، وصنعوا صروح المجد، واستمدوا من بدر عزما، ومن فتح مكة سلما، فخاضوا الغمار بأجساد صائمة، واستنزلوا النصر بنفوس خاشعة، فامتزج التوكل بالعمل المتقن، وتجلى اليقين في جند الوطن، فكان العبور معراج رفعة، وكان النصر آية عزة، فاحفظ يا أخي هذا العهد، وكن لدينك عونا ولوطنك سندا، فقد طابت بمصر أرواح الجند، وحفظها الله بصدق الوعد: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيرا، فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ولم يا رسول الله؟ قال ﷺ: لأنهم وأهليهم في رباط إلى يوم القيامة».
***********
الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد:
فيا أخي الكريم، اعلم أن من أسمى مقاصد هذا الدين، ومن أجمل تجليات الرحمة التي بعث بها الجناب المكرم ﷺ، أن تجعل بيتك واحة للمودة، ومستقرا للسكينة، وميدانا للرفق، وإني لأعجب من زوج حين تغلب عليه جفوة الطباع، فينظر إلى معاونة زوجه في شئون البيت كأنها خروج عن مقتضى الرجولة، أو نقص في الهيبة، فتحقق بالحال النبوي الشريف الذي كان يشيع في أرجاء بيته روح التواضع والاحتفاء، فرجولتك الحقة هي تلك التي تنحني لتجبر خاطر رفيقة دربك، وحقق مروءتك الرفيعة التي تدرك أن قوامتك تعني القيام على احتياجات أهل بيتك بروح المحب المتلطف، لا بقلب المستعلي المتكلف؛ لتكون بحق مرآة صادقة لجمال النبوة، حين سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن حاله ﷺ في بيته، فقالت: "كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة".
أيها المكرم: ومع ظهور نفحات شهر رمضان المبارك عليك، تتجلى هذه القيمة في سلوكك بعمق أكبر، حيث تجد زوجتك نفسها في جهاد مستمر بين صيامها وقيامها، وبين إعداد مائدة إفطارك ورعاية أبنائك، مما يجعل من تخليك عن دور المعين جفاء لا يليق بروحانية صيامك، فصومك الحقيقي هو صوم قلبك عن الأنانية، وارتقاء أخلاقك لترجمتها في صورة يد تمدها لتخفف العبء عن شريكة حياتك، فما أجمل أن تجعل بيتك في رمضان محرابا للتعاون، تقتسم فيه معها جمال الخدمة كما تقتسمان أجر الصيام؛ ليتحقق بذلك مراد الله من جعل المودة والرحمة آية باقية، ولتتخرج في مدرسة هذا الشهر الفضيل مترسخا في نبل الأخلاق، تصديقا لقول النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
حفظ الله مصر وأهلها، وأفاض عليها من بركاته وجوده