لم يكن مجرد تتر بداية لمسلسل رمضاني، بل كان صافرة إنذار دوت في أروقة تل أبيب، معلنةً عن معركة من نوع خاص؛ معركة سلاحها الكاميرا، وذخيرتها الحقيقة التاريخية، وميدانها وعي الشعوب. مسلسل "صحاب الأرض"، الذي يعرض في موسم دراما 2026، لم يكتفِ بنسب المشاهدة المليارية، بل نجح في "تعرية" العصب الحساس للاحتلال الإسرائيلي، واضعاً إياه في مواجهة مباشرة مع صورته الحقيقية التي حاول تجميلها لعقود.
في مشهد يعكس حجم التأثير الذي أحدثه العمل، لم تجد المتحدثة باسم جيش الاحتلال، الكابتن "إيلا واوية"، مفراً من الخروج عن دورها العسكري لتلتقط قفاز النقد الفني "المهزوم"، حيث شنت "إيلا" هجوماً حاداً على المسلسل، متهمة إياه بـ "تزييف الحقائق"، وهي التهمة الجاهزة التي يطلقها الاحتلال على كل من يجرؤ على كشف ممارساته.
لكن المثير للتأمل في هجوم المتحدثة الإسرائيلية هو حالة "الانتقائية التاريخية"؛ حيث حاولت حصر الصراع كله في أحداث السابع من أكتوبر 2023، متجاهلةً عن عمد جذور القضية، وقرارات الشرعية الدولية، وعقوداً من الاستيطان والتهجير التي يوثقها المسلسل ببراعة بصرية واحترافية درامية. هذا الارتباك الإسرائيلي ليس إلا دليلاً على أن الرسالة قد وصلت، وأن الدراما المصرية نجحت في ضرب "العصب العريان" لرواية الاحتلال الزائفة.
رد المخرج بيتر ميمي لم يكن دفاعاً دبلوماسياً ناعماً، بل جاء بمثابة "رصاصة رحمة" على ادعاءات المتحدثة الإسرائيلية. بكلمات قليلة زلزلت منصات التواصل الاجتماعي، واجه ميمي الادعاء بـ "التزييف" بسؤال منطقي وصادم: "تزييف حقائق إيه؟ ده الفيديوهات موجودة!".
هذا الرد يختصر فلسفة المسلسل؛ فهو لا يعتمد على الخيال الدرامي المحض، بل يستند إلى أرشيف بصري وثقته عدسات العالم، بما في ذلك عدسات جنود الاحتلال أنفسهم. ولم ينسَ ميمي أن يوجه ضربة موجعة لـ "إيلا" بسخرية فنية لاذعة، حين أكد أنه بذل جهداً مضنياً لإيجاد ممثلة تشبهها تماماً لتجسيد دورها في العمل، في إشارة إلى أن المسلسل لا ينقل "قصصاً"، بل ينقل "وجوهاً" وشخصيات يعرفها العالم جيداً بأفعالها.
إن انزعاج تل أبيب من "صحاب الأرض" يكشف عن خوف وجودي من "القوة الناعمة". فالاحتلال الذي يمتلك ترسانة عسكرية متطورة، يجد نفسه أعزلاً أمام مشهد درامي إنساني يربط الطفل العربي بقضيته الأم. المسلسل استطاع تفكيك البروباجندا الصهيونية التي تُصرف عليها المليارات، واستبدلها بحكايات بسيطة عن الزيتون، والبيت، والمفتاح، وصمود البشر فوق أرضهم.
حين تتحول الدراما إلى وثيقة تاريخية، وحين يصبح المخرج مقاتلاً في ميدان الوعي، تدرك إسرائيل أن معركتها ليست مع الفصائل المسلحة فحسب، بل مع كل شاشة تعرض الحقيقة، ومع كل كاتب يرفض النسيان.
لقد أثبت "صحاب الأرض" أن الفن الصادق هو "الكابوس" الأكبر للاحتلال، وهجوم إيلا واوية ورد بيتر ميمي ليسا مجرد "تريند" عابر، بل هما فصل جديد في صراع الرواية، فبينما يمتلكون هم "أدوات القتل"، يمتلك "صحاب الأرض" الحق والذاكرة.. وفي النهاية، الذاكرة دائمًا تنتصر، والنصر كما قال ميمي: "لكل مظلوم".