دائما ما تكون الاتفاقات خلف الجدران مختلفة عن التصريحات أو التحركات على الأرض، وربما يكون مسموحا بالتهديدات بينما الاتفاقات تطبخ على نار هادئة، هذا هو واقع الحال فى العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، طوال أسابيع، حيث يتكرر التصعيد وصولا إلى أقصى نقاط التوتر، ويتم امتصاص أو تفريغ التوتر ببطء، وآخر مشاهد التوتر هو التحركات المتواترة للأساطيل الامريكية، والحرص على نشر الأخبار بالتحركات، بينما تتواصل التهديدات الأمريكية، بينما تقترب جلسة المفاوضات مساء أمس، والتى ربما تتوصل إلى اتفاق، من وسط الدخان المتصاعد، وتكون جهود الدول الإقليمية قد أثمرت، وأنهت توترا تدفع دول المنطقة ثمنه.
وبالرغم من وصول التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى أقصى حد تظل احتمالات البقاء فى التصعيد لفترة أخرى أقرب إلى الواقع، وبعد تكرار الوصول إلى ذروة التوتر، تعود الأمور إلى وضع أقل تصعيدا، لكن الجديد خلال نهاية الأسبوع هو التصريحات التى تشير إلى قرب التوصل لاتفاق، وإذا كنت تقرأ هذه الكلمات ولم تقع ضربات أمريكية ولم تشتعل الحرب فهذا يعنى اتفاقات تمت خلف الجدران بشكل يؤجل الحرب وربما ينهيها بعد أشهر من التصعيد، حيث بدا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال خطابه عن حالة الاتحاد أقرب لقبول اتفاق منه إلى شن حرب، وبالرغم من أنه وجه اتهامات لإيران بتنفيذ عمليات قتل لجنود أمريكيين أو قتل متظاهرين فقد جاء تأكيده أنه دمر البرنامج النووى لإيران فى ضربات تمت فى الصيف الماضى، وقال إنه لن يسمح لهم بإنتاج السلاح النووى، وإن كان تحدث عن اتفاق وشيك أو أنه يفضل ذلك.
نفس الأمر فيما يتعلق بالرد الإيرانى الذى وصف حديث ترامب عن تطوير سلاح نووى بالأكاذيب بينما أعلن وزير خارجية إيران عباس عراقجى، أن إيران ستستأنف المفاوضات مع الولايات المتحدة فى جنيف استنادا إلى التفاهمات التى تم التوصل إليها فى الجولة السابقة من المحادثات، موضحًا أن الاتفاق بات وشيكا، لكن بشرط إعطاء الأولوية وقال فى تدوينة على موقع « إكس» إن طهران تدخل هذه المحادثات بعزم على التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف فى أسرع وقت ممكن، مؤكدا: لن تطور إيران سلاحا نوويا تحت أى ظرف من الظروف؛ ولن نتنازل نحن الإيرانيون أبدا عن حقنا فى جنى ثمار التكنولوجيا النووية السلمية لشعبنا».
وتزامنت تصريحات عراقجى مع تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت وقولها إن الخيار الأول للرئيس دونالد ترامب تجاه إيران هو «الدبلوماسية دائمًا»، لكنه «مستعد لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية القاتلة إذا لزم الأمر جاءت تصريحات ليفيت بعد أن كتب ترامب على منصة تروث سوشيال أن اليوم سيكون «سيئًا للغاية» بالنسبة لإيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووى -وذلك وفق ما نقلته شبكة فوكس نيوز الأمريكية الثلاثاء.
وجرت الجولة التفاوضية الامريكية الإيرانية فى وقت كشفت تقارير إعلامية عن تحرك جميع السفن الأمريكية الراسية فى مقر الأسطول الخامس إلى عرض البحر، ونقلت وكالة أسوشيتد برس، استنادًا إلى صور أقمار صناعية، أن السفن الأمريكية غادرت مقر الأسطول الخامس الأمريكى فى البحرين واتجهت إلى عرض البحر، دون صدور تعليق رسمى فورى يوضح أسباب هذه الخطوة، وفسر مراقبون التحرك والحشد باعتباره طريقة ضغط ترامب المعهودة، حيث اعتاد ان يوصل الأمور إلى الحافة، ليضمن أفضل النتائج، وفى الوقت نفسه قال نائب وزير الخارجية الإيرانى إن ضربة أمريكية على إيران ستكون «مقامرة حقيقية» لكنه اعتبر أن طهران مستعدة لاتخاذ أى خطوة ضرورية للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
كل هذه التطورات والتفاصيل تدفع إلى احتمال التوصل لاتفاق، تريده الولايات المتحدة اتفاقا طويل الأمد، وهو اتفاق يمكن ان يكون مرضيا للطرفين، فى حال الإبقاء على برنامج إيران السلمى النووى، وهو الأقرب، مع التأكيد على إنهاء برنامج إنتاج السلاح النووى، وتميل التحليلات إلى استبعاد الحرب باعتبار الأوضاع تختلف عن سنوات غزو العراق بمزاعم أسلحة الدمار، وهو الغزو الذى انتقده ترامب فى حملاته الانتخابية، واعتبره مقدمة لأرباح ايران، وإنتاج الإرهاب، ثم إن ترامب لا يحظى بالقدرة على حشد دولى حتى لو كان شكليا مثلما فعل بوش الابن، مع وجود أوضاع مختلفة فيما يتعلق بصعوبة إصدار قرار دولى حتى لو كان شكليا، مع وجود توتر أوروبى أمريكى.
