خالد دومة يكتب: حَدِيثُ مِرْآة

الجمعة، 27 فبراير 2026 11:09 م
خالد دومة يكتب: حَدِيثُ مِرْآة خالد دومة

وقفتْ أمام المرآة، التي كانت تعكس صورتها، كانت تُحدِّثها في صَوْتِ خافت، إنها تعكس التجاعيد، التي رسمتها الأيام على جبِينها، ملامح مُتجهمة، تراكمت من حوادث الأيام، ذلك القُبح القديم، والذي يطاردها في فِراشها، كلما أرادت أن تُرِيح جسدها المُنهك، فتُطاردها الكوابيس، تُنغص عليها، إنها تُدقق في تلك الملامح، التي لازمتها سنوات طوال، كيف صارت بشعة مخيفة؟

حدّثتها المِرْآة عن تلك الأيام، وفجَّرت في نَفْسِها كماً رهيبا من المآسي القديمة، التي أحرقت فيها كل نبض، حاولت أن تخرج إلى الحياة، لتشعر بشيء منها، إن المرآة تعكس كل شيء، كل خلجة تسكن فيها، كل حِس دقيق، إن شَظْية واحدة منها، كفيلة بتشريح نفسها من الداخل، تُخبرها بما لا تراه العيون، وتعزف عن رؤية الحقيقة المؤلمة، إنها أشبه بتلك المرآة المتكسرة، حين تتناثر شظاياها في كل مكان، إنها تُدمي، ففيها منها، تلك الشظايا النفسية المُتهدّمة المُتكسرة، إنها أيضا شظايا نفس بعثرتها سنوات الألم، إنها غير قادرة على تَرْميم ما حطَّمته أيدي الأخرين، وأعجز ما تكون في إعادة نفسها، حكتْ لها المرايا التي عكست ألاف الوجوه، فلم ترى وجهاً كوجهها، ونفساً كنفسها، وإنه هي من تعكس صورة المرآة، وليس العكس، إنها لم تتطلع إلى أحد إلا ورأت الغرور والنفاق، الذي قرأته على الوجوه، التي تبدو جميلة من الخارج، ولكنها تحمل كل معاني القُبح والسقوط، قالت لها المِرآة: إن وجهها، وإن كان قبيحا، تملئه المنحنيات والتجاعيد، فإنه جميل، لأن لها قلب إنسان، يحمل كل عطف، إن تلك الشظايا هي حصيلة النقاء، حين تحترق نفوس، لأجل الحب، لأجل الخير، قالت لها المرآة: دققي النظر تَرَيْنَ أعماق نفسك، أعكسها تَرَيْنَ أن هناك نور ينبعث، وشُعاع يشُق منافذ النفس؛ ليُضيء، إنك تتألمين، وفي الألم تصفية للغبار، الذي يشوه الصورة، فإنها هي ضريبة يدفعها كل ذي قلب، فلا بأس أن تُشاهدي القبح والتجاعيد، إن نظرت نظرة سطحية، إنك أكبر من أن تسأم، أو تهزمكِ الأيام، وتجعل صورة الحياة سوداء، فتنعكس على ملامحكِ قسوة ويأس، إن بداخلكِ عالماَ لا تحده حدود مرآتي، لتكن نفسكِ مرآة العالم المحيط بك، ليس وجهكِ كل ما يبدو على صفحة المرآة، إنها لا تعكس إلا قطرة صغيرة، نُقطة واحدة خلفها مئات النقاط، فإن كانت الأولى باهتة سوداء، فخلفها المئات من الألوان، التي تبتهج لها النفس، وتسعد برؤيتها، أأقول أنا لك ذلك؟ كان من المفترض أن تعلمني ؟ إياها، ففي كل وجه يقع على صفحتي سمت خاص، ملامح لا يشاركه فيها أحد، غير أن النفوس والضمائر تعكس أهوال، فالمتشابهون في الطمع كثيرون، المتشابهون في الظلم كثيرون، إنهم فِرق عظيمة، وأفواج لا حصر لها، أما أنقياء الضمير، أصفياء النفوس، إنهم من القلة، بحيث يصعب عليك أن تجديها أو تعثري عليها، إنني أعكس الوجوه، ولكنني لا أعكس لهم ما يكمن فيهم، ولو فعلت لما وجدتِ الناس يهيمون بالمرايا، يقفون متباهين بأشكالهم ومظاهرهم، يغلب عليهم التيه والكبرياء، أنت تفرين مني، وأنا أراكِ أشدهم جمالا، رغم قُبح ما ترين أنتِ من ملامح، إن عزائي أن أراكِ، أن تنظري فيّ، كي تمُدني بأمل من تلك العيون الضيقة، فلونها يشبع من جوع، ويرويني بالماء الزلال، فلا تُشيقني بأن تحرميني من القليل، الذي أستمده منك، ومن غيرك من أصحاب القلوب، فليس هناك منها سوى النذر القليل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة