أشرف العشماوى يكتب: جنون مصرى قديم.. الماضى كمرآة مضطربة

الجمعة، 27 فبراير 2026 01:00 م
أشرف العشماوى يكتب: جنون مصرى قديم.. الماضى كمرآة مضطربة جنون مصري قديم

يمكن تصنيف رواية «جنون مصري قديم» للروائي طلال فيصل بوصفها عملاً يسعى إلى مساءلة التاريخ وإلى تفكيك صورة السلطة، وهي بذلك تنتمي إلى ذلك النوع من السرد التاريخي الذي يتخذ من الماضي مختبراً لفحص أسئلة الحاضر، دون أن يقع في فخ الإسقاط المباشر أو الخطابية السياسية التي تصيب هذا النوع من الروايات عادة.

أشرف العشماوي
أشرف العشماوي

تدور الأحداث في زمن الأشرف برسباي، أحد سلاطين المماليك الجراكسة في القرن التاسع الهجري، لكن الجميل في الرواية أنها تتعامل معه كشخصية تاريخية تحكمها عقد الخوف وتنازعها رغبة البقاء في السلطة ويثقل كاهلها إرث القصر والمؤامرات، فتغدو السلطة لديها حالة نفسية مستديمة قبل أن تكون موقعاً سياسياً مؤقتاً وهو ما لا يدركه أغلب الحكام.

اعتمد النص حيلة روائية معروفة، تكمن في بنائه المركب، إذ يجاور السردُ المعاصرُ أوراقاً منسوبة إلى مؤرخ مغمور، فينشأ حوار خفي بين زمنين، ويتحول النص إلى مساحة للتشكيك في الوثيقة ذاتها، فالمؤرخ هنا طرفاً في اللعبة، محكوماً بموقعه من السلطان، ومهدد دائماً بحدود ما يُسمح له بكتابته من التاريخ، وبهذا المعنى تطرح الرواية سؤالاً مهما أظن أنه ثيمتها الأصلية قبل الكتابة وهو "هل التاريخ حكاية تُروى أم سلطة تُمارَس؟".

جنون مصري قديم
جنون مصري قديم

فالحدث الواحد يمكن أن يرُى مختلفا تبعاً لزاوية النظر، فالانتصار قد يُكتب هزيمةً، والهزيمة قد تُجمّل لتصبح نصراً، والكاتب ينجح في تجسيد هذه الإشكالية دون تنظير وعبر وقائع صغيرة، ومواقف هامشية، وتعليقات عابرة، لكنها كاشفة في المجمل.

الرواية على مستوى اللغة بديعة، فقد اختار طلال فيصل أن يقترب من نبرة العصر المملوكي في المقاطع التاريخية دون أن يقع في محاكاة ثقيلة أو تصنع لغوي يرهق القارئ، فجاءت اللغة مشبعة بإيقاع قديم، لكنها قابلة للقراءة المعاصرة، وهي مغامرة محسوبة لصالحه، لأن استدعاء لسان زمن قديم قد يتحول بسهولة إلى عبء أسلوبي،غير أن الكاتب يوازن بين الإيحاء التاريخي والانسياب السردي بقدر كبير من الحرفية.

أعجبتني شخصية برسباي في الرواية ، تُقدَّم للقارئ بوصفها حاكم تتآكله الشكوك وتستبد به هواجس المؤامرة، فيسبق إلى البطش دومًا قبل أن يُبطَش به، وتتحول علاقاته إلى دوائر من الريبة، حتى أقرب الناس إليه لا ينجو من ظنونه ، وهذا التكوين النفسي يمنح الشخصية عمقاً، لكن لدي فقط ملاحظة صغيرة هنا ففي بعض المواضع يظل البطل مرسوماً من الخارج، حيث يغلب توصيف الأفعال على تفكيك الداخل الشعوري للشخصية تفكيكاً كاملاً . ومن نقاط القوة أيضاً تعدد الشخصيات التاريخية المحيطة بالسلطان، من مؤرخين وأمراء وكتاب، هذا الأمر يخلق نسيجاً حيوياً يعكس طبيعة البلاط المملوكي لكن في المقابل  يلاحظ أن حضور المرأة ظل هامشياً وهو اختيار من حق المؤلف ومؤكد كان واعياً له، لكنه في ظني يحدّ قليلًا من أفق التعدد الإنساني داخل العمل.

أخيرًا ومن ناحية الإيقاع يميل السرد إلى التمهل مع عناية بالتفاصيل وبناء الأجواء، وهو ما يخلق حالة من الغمر التاريخي لو جاز التعبير، لكنه أحيانا يبطئ حركة الأحداث في بعض الفصول، خصوصاً حين تتكرر الثيمة ذاتها بأشكال متقاربة، ومع ذلك فإن هذا البطء يخدم أحياناً فكرة التراكم، حيث يبدو الجنون حالة ممتدة وأظن هذا ما كان يهدف إليه المؤلف.

جنون مصري قديم رواية تاريخية مميزة ، تختبر العلاقة بين المعرفة والسلطة، بين من يملك السيف ومن يملك القلم، وتكشف كيف يمكن للاثنين أن يتحالفا أو يتصارعا، وفي الحالتين يبقى الإنسان الفرد هو الحلقة الأضعف. رواية جادة، مكتوبة بعناية فائقة ، تراهن على القارئ الذي يقبل التورط في الأسئلة لا من يبحث عن حكاية تاريخية مسلية سريعة، وتنجح بامتياز في أن تجعل من الماضي مرآة مضطربة للحاضر دون أن تنطق باسمه، وهو نجاح أدبي يُحسب لطلال فيصل الذي يستحق التحية والشكر على هذا العمل المتميز .




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة