بينما كانت شوارع أمريكا اللاتينية تضج بالموسيقى والألوان في فبراير 2026، كان الموت ينسج خيوطه في الخفاء، محولاً ساحات الكرنفالات من ملاذات للبهجة إلى ميادين للفجيعة، ومن شواطئ بنما إلى شوارع البرازيل، ومن مرتفعات بوليفيا إلى أحياء جواياكيل المنكوبة في الإكوادور، لم تكن الاحتفالات هذا العام مجرد استعراضات للفولكلور بل تحولت إلى تقويم من الحوادث الدامية والمجازر المروعة التي تركت آلاف الأسر في حداد طويل.
البرازيل: طرقات الموت وطقوس الفجيعة
في البرازيل، مهد الكرنفال الأكبر في العالم، لتسجيل حصيلة مرعبة بلغت 130 قتيلاً جراء حوادث المرور، ولم تكن هذه الأرقام مجرد إحصائيات بل كانت حكايات لأرواح أزهقت تحت عجلات السرعة والتهور. الطرق السريعة التي تربط بين المدن الكبرى تحولت إلى مسارح لحوادث التصادم والانقلاب، حيث طغت رائحة الوقود المحترق على عطور الزهور، وتوقفت ألحان السامبا أمام صفارات إنذار الإسعاف التي لم تهدأ لحظة واحدة، لتعلن أن طريق المتعة انتهى في مدافن الصمت.
الإكوادور: رصاص الغدر في باسطيون بوبولار
أما في الإكوادور، وتحديداً في حي باسطيون بوبولار بشمال جواياكيل، فقد كان الكرنفال مصبوغاً بلون الدم القاني. في ساعة واحدة من الرعب الشامل، سقط ستة قتلى برصاص الغدر، بينهم طفل في الثامنة من عمره ومراهق لم يتجاوز السادسة عشرة. الهجمات المسلحة التي نفذتها عصابات إجرامية مجهولة لم ترحم براءة الأطفال ولا حرمة المنازل، مما جعل سكان المدينة يعيشون كرنفالاً من الذعر، حيث الرصاص هو الإيقاع الوحيد الذي يُسمع في الأرجاء، مخلفاً وراءه بيوتاً عامرة بالحزن واللوعة.
بوليفيا وبنما: حين يختبئ الموت خلف الأقنعة
في مدينة سوكريه البوليفية، انتهى الكرنفال بمشهد قاتم؛ ثلاثة قتلى وأكثر من 100 معتقل. كشفت الشرطة هناك عن استغلال المجرمين للأجواء التنكرية لتنفيذ اعتداءاتهم، بينما سجلت المدينة حالات وفاة مأساوية نتيجة الإفراط في الكحول. وفي بنما، ورغم انخفاض عدد الوفيات الإجمالي، إلا أن غصة الفقد كانت حاضرة بوفاة ثلاثة أشخاص غرقاً وتسجيل آلاف المخالفات المرورية، مما يعكس حالة الفوضى العارمة التي صاحبت التنقل نحو المناطق الساحلية.
مأساة صهريج الوقود: انفجار يحول الضحايا إلى رماد
وفي مشهد عالمي لا يقل ترويعاً، وثقت الصور المنشورة لحظات الدمار الشامل الناتجة عن انفجار صهريج وقود مروع. الصور أظهرت تفحماً كاملاً ومركبات تحولت إلى خردة، في تذكير دائم بمدى هشاشة الحياة في لحظات الكوارث الكبرى التي تقع وسط الزحام البشري الهائل الذي يميز هذه الفترة من العام، وكأن الأرض قررت أن تبتلع الفرح في جوفها الملتهب.
دروس من رماد الكرنفال
إن حصيلة الكرنفالات القاتلة لعام 2026 تضع حكومات القارة أمام تحدٍ أخلاقي وأمني جسيم، فبينما تضخ هذه المهرجانات المليارات، فإنها تزهق أرواح المئات في طرقات غير آمنة، وشواطئ غير محروسة، وأحياء تسكنها العصابات المسلحة. ستبقى صرخات الأمهات في الإكوادور، ودموع اليتامى في البرازيل، شاهداً حياً على أن الفرح الذي يفتقر إلى المسؤولية والأمان ليس سوى قناع آخر لوجه الموت القبيح.