خالد دومة يكتب: قيمة الحياة

الخميس، 26 فبراير 2026 10:59 م
خالد دومة يكتب: قيمة الحياة خالد دومة

نعمة أن تتنفس.. ساعات من العُزلة

يحتاج الإنسان إلى تلك الساعات، التي ينفرد بها عن العالمين، إلى الجلوس بين جدران أربع، ونافذة يدخل منها ضوء على استحياء، يُقلّب فيها أفكار، ويسترجع فيها مواقف، ويتأمل ما يخطر بباله، ويتفحص وجوه المسائل التي تقابله، ويستغرق فيها بعقله ومشاعره، ويمتحن ردود الأفعال بينه وبين نفسه، ويتوقّع ويُخَمِّن ويتَّخذ قرارته، بناء على ما أعاد صياغته بين تجاويف مخه، ويصدر أحكاما منطقية عقليه سليمة، أو على الأقل أقربها إلى الصواب، فساعة من التفكير، تجعلك ترى الأمور من زوايا، فد تغيب عنك، لو أنك افتقدت تلك الساعات، فهي ساعات التروي والأناة، والتي لا تندم عليها، ولو خزلتك أو فاجأتك، بما لا يطرأ على ذهنك، فلو عودت نفسك عليها، وليس شرطا، أن تكون كل يوم، ولكن لا تحرم نفسك منها، ولو مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا، فإن صَعُب الأمر، فلا أقل من مرة واحدة أسبوعيا، تنفصل عن العالم، لترى نفسك وما يحيط بها من قريب أو بعيد، فالعالم مليء بالزحام والضجيج، وفي عالمنا الذي نعيش فيه، تسير الحياة بوتيرة سريعة مفزعة، كالقطار الذي يقطع المسافات الكبيرة، في وقت وجيز، ونحن لا نشعر بما قطع، فالسنوات كأنها شهور، والشهور أسابيع، والأسابيع أيام والأيام ساعة أو دقائق، والزمن يطحن في أعمارنا بلا هوادة، ولا رفق، ونحن نساعده ونُسابقه في طمس حياتنا، وكأننا لا نبالي بضياعها، بلا حصاد، ولا ثمرة تعود على القرائح والأفهام، فإنما هي  أيام تمضي بلا هدف، ولا معنى، والكثير يتفنن في ضياع عمره بين وسائل العصر الحديث، وبين الجلسات الفارغة، والجلوس على القهاوي والأندية العامة، ولا جرم فيها، إن كانت في إطار الاعتدال، ولكن أن تُسرف فيها، وتُعطيها الساعات الطوال، بلا تكدير نفس أو تأنيب ضمير، فذلك هو ضياع الأعمار، لذلك لا بد من ساعات عُزلة، تساعد الإنسان في تقييم حياته، وترتيب أولوياته، وأن يكن لعمره وأيامه أهمية قُصوى، فهي بلا ريب الحياة، فإن فرط فيها، فأنت تفرط في حياتك، ومعنى وجودك، وماذا يبقى للإنسان؟ وهو ينظر إلى سنوات عمره الماضية، فيذهله انقضائها، بل سرقتها منه، وهو لا يدري فيما كانت؟ ولا كيف أصبحت؟ فإن كانت هناك دعوة ملحة، فهي دعوة لكل إنسان أن يُبصر ويعي ما بين يديه، قبل أن ينفذ رصيد عمره، وينظر في يده، فإذا هي قبض ريح، خالية حتى من الهواء النقي، إنما هو هواء فاسد، أفسده زحام لا ينتهي، يُربك الإنسان في كل لحظات عمره، فلا يتركه، إلا على فراشه يأوي إليه، وقد ملأ بالفراغ المزعج رأسه، وشعر بإنه يحمل أطنان لا شيء، فمن أراد أن يعيش أن يحيى، فهو يحتاج إلى تلك الساعات المليئة، التي تمهد له طرائق العيش، لحياة حقيقة، فالحياة نعمة كُبرى، لا تفضُلها نعمة ولا تُدانيها مَكْرُمة، فطوبي لمن عرف قيمة الحياة، وأنفاسه التي تخرج من صدره حية، فأحياها في نفسه، وعاشها بجوارحه ومشاعره، وساهم فيها بقلبه وعقله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة