د. محمد عبدالرحمن الضوينى

الأسرة فى رمضان.. سكينة تملأ الأكوان

الخميس، 26 فبراير 2026 02:06 م


الأسرةُ فى الإسلام هى الوحدةُ الأساسيةُ التى تقومُ عليها بنيةُ المجتمعِ المسلم، وهى الحاضنةُ الأولى لغرسِ القيم فى نفوس أبنائه، وإذا أُحسنَت رعايتُها، وتوفَّرت الظروفُ السليمةُ لتكوينها، سادت المحبةُ والسكينةُ والطمأنينةُ بين أفرادها، وأسهم ذلك فى بناء مجتمع قوى متماسكٍ ومستقر.

وفى زمنٍ تتسارعُ فيه وتيرةُ الحياة وتتعدَّدُ  وتتشعبُ فيه الانشغالات، يأتى شهرُ رمضان المبارك ليمنح الأسرةَ فرصةً استثنائيةً للتلاقى واستعادة الدفء الروحى والاجتماعى. ففى هذا الشهر الكريم تعود الأسرة إلى مركزها الطبيعى، حيث يجتمع أفرادها على قيمٍ مشتركة، وتسود بينهم أجواءُ الطمأنينةِ والودِّ التى قد لا تتكرر فى سائر الشهور.

وإذا كان الصوم عبادةً فرديةً فى ظاهرها، فإن آثارَه تمتدُّ لتشمل حياةَ الأسرة كلها، فتغدو البيوتُ فى هذا الشهر الكريم مدارسَ للإيمان، ومجالسَ للمودة، ومواطنَ للسكينة.

ومن أبرز مظاهر هذه السكينة الاجتماعُ اليومى على مائدة الإفطار؛ حيث يتجدَّد اللقاءُ الأسرى فى مشهدٍ حميمٍ تتعزز فيه معانى الحمد والشكر والرضا، ويتحوَّل الطعامُ إلى مناسبةٍ للامتنان والحوار الهادئ واستعادة دفء العلاقات الأسرية، وهذا اللقاءُ المتكرر يُرسِّخ روحَ المشاركة بين أفراد الأسرة، ويُنمِّى لديهم معنى الانتماء، ويجعل البيتَ مصدرًا للأمن النفسى والاستقرار العاطفى.

كما يسهم شهر رمضان فى تعميق الروح الإيمانية داخل الأسرة، وتظهر رسالتها التربوية فيه بأوضح صورها؛ فعندما يرى الأبناءُ آباءهم يحافظون على الصلاة، ويجتهدون فى الصيام والقيام، والذكر وقراءة القرآن، ويتحلَّون بالصبر وحسن الخلق، فإن هذه القيم تنتقل إليهم حيَّةً بالفعل قبل القول، وتنطبع فى وجدانهم منهجَ حياةٍ وسلوك دائما، فينشأ بينهم رابطٌ روحى مشترك، يقوم على الإيمان والالتزام وحسن المعاملة.

ويُعدُّ رمضان كذلك فرصةً سانحةً لإصلاح ما قد يعترى العَلاقات الأسرية من فتورٍ أو خلافٍ؛ إذ تُليِّنُ روحُ الصيام القلوبَ، وتدعو إلى العفو والتسامح وصلة الأرحام، فتتسع الصدورُ للاعتذار، وتُفتحُ صفحاتٌ جديدةٌ من الصفاء الأسرى، ويشعر كلُّ فردٍ أنه جزءٌ من كيانٍ متماسكٍ لا تكتمل أو تقوم سعادتُه إلا بتآلف أفراده.

وختامًا، إنَّ أعظمَ ما يُميِّزُ شهر رمضانَ أنَّه يعيدُ للأسرةِ مركزيتَها فى بناءِ الإنسان والمجتمعات؛ ففى ظلالِه تهدأُ وتيرةُ الحياةِ، وتقتربُ القلوب، وتتسرَّبُ السكينةُ إلى النفوس، حتى يغدو الشهرُ حالةً من الطمأنينة الشاملة التى تُحيى الروح وتُصلح مسار الحياة كافة.

إن رمضان فرصةٌ عظيمة للحفاظ على تماسك الأسرة، وتجديد دورها الحيوى فى التأثير والتوجيه والإرشاد، وتعزيز الترابط بين أفرادها، وبناء علاقاتٍ راسخةٍ قائمةٍ على التفاهم والحب والاحترام والتقدير، وتسودها السكينة التى تمتد آثارها إلى كل من حولها، فالأسرة إذا صلحت صلح المجتمع كله وعمَّت السكينةُ أرجاءه، وحرى بكلِّ أسرةٍ أن تغتنمَ هذا الشهر الكريم؛ لتجديدِ روابطِها، وتعميقِ إيمانِها، وتحقيق الطمأنينة لأفرادِها، حتى تعيش معناها الحقيقى: سكينة تملأ الأكوان وتمتد آثارُها فى النفوس طوالَ العام.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة