في مشهد يتكرر سنوياً مع قدوم الشهر السادس من التقويم القبطي، يفرض "أمشير" سطوته على الأجواء المصرية بمزيج من "الخداع الحراري" والرياح الشديدة، فبين ليلة وضحاها، يتبدل الدفء الصيفي المفاجئ إلى صقيع يضرب العظام، مما جعل هذا الشهر يعرف في الوجدان الشعبي بـ "المكير" الذي لا يؤمن جانبه.
بين الدفء الخادع والصقيع المفاجئ
بدأ أمشير هذا العام بملامح "شيزوفرينية" واضحة، حيث سجلت درجات الحرارة ارتفاعات ملحوظة تجاوزت المعدلات الطبيعية، مما دفع الكثيرين لتخفيف ملابسهم الشتوية، لكن سرعان ما عادت "الزعابيب" لتذكر الجميع بأن الشتاء لم يرحل بعد.
ويفسر خبراء الطقس هذه الظاهرة بتلاقي كتل هوائية دافئة قادمة من شبه الجزيرة العربية مع منخفضات جوية باردة آتية من أوروبا، ما يخلق حالة من الاضطراب الجوي ونشاطاً كبيراً للرياح المثيرة للأتربة.
تقسيمات الفلاح وتأثير "الصدمة الحرارية"
لا يمر أمشير ككتلة زمنية واحدة، بل قسمه المزارع المصري القديم إلى ثلاث "عشرات" لكل منها طابع خاص، عشرة الغنم (مشير) حيث يخدع الدفء الحيوانات والبشر، عشرة الماعز (شرشر) وتتميز بالبرد القارس وهبوب الرياح التي قد تضر بصغار الماشية، عشرة العجوز (شراشر) وهي الأيام الأخيرة التي تشهد صراعاً بين الشتاء والربيع.
وعلى الصعيد الزراعي، حذر مركز معلومات تغير المناخ من "الصدمات الحرارية" التي قد تصيب المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح، خاصة في مرحلة "طرد السنابل"، حيث تؤدي تقلبات الحرارة والرياح الشديدة إلى تضرر الإنتاجية إذا لم يتم اتباع إرشادات الري والتسميد بدقة.
الموروث الشعبي
لم تترك الذاكرة الشعبية المصرية تفصيلة في أمشير إلا ووثقتها بالأمثال، ولعل أشهرها "أمشير أبو الزعابيب الكتير، ياخد العجوزة ويطير"، في إشارة لقوة الرياح، ومثل "أمشير يقول لبرمهات 10 مني خد و10 منك هات"، الذي يوضح التداخل المناخي بين شهري أمشير وبرمهات.
كما يقال"الاسم لطوبة والفعل لأمشير"، للدلالة على أن برودة أمشير قد تفوق أحياناً شهر طوبة الذي يسبقه.
نصائح طبية لمواجهة "خداع أمشير"
مع تزايد الغبار وتفاوت درجات الحرارة، ينصح الأطباء بضرورة الالتزام بالملابس الشتوية "الوسطية" وعدم الانخداع بالدفء المؤقت، خاصة لكبار السن والأطفال.
كما يشدد الخبراء على مرضى الحساسية والجيوب الأنفية بضرورة ارتداء الكمامات عند الخروج في الأيام العاصفة وتناول السوائل الدافئة لتعزيز المناعة ضد نزلات البرد الموسمية.