لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على البحث أو إنجاز المهام اليومية، بل تحوّل تدريجيًا إلى مساحة يعتمد عليها ملايين الأشخاص حول العالم في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالصحة النفسية والجسدية، وحتى العلاقات الإنسانية، فمع الانتشار الواسع لتطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأ البعض يلجأ إليها طلبًا للاستشارة الطبية، أو الدعم النفسي، أو حتى كبديل عن الأصدقاء والعائلة.
الذكاء الاصطناعي يدخل عيادات الطب الافتراضية
خلال السنوات الأخيرة، أصبح من المعتاد أن يكتب المستخدم أعراضه الصحية في أحد برامج الذكاء الاصطناعي قبل زيارة الطبيب، بحثًا عن تشخيص أولي أو تفسير سريع للحالة، بعض المستخدمين يذهبون أبعد من ذلك، فيطلبون اقتراح أدوية أو جرعات علاجية، اعتمادًا على سرعة الرد وسهولة الوصول للمعلومة.
ويرى مختصون أن هذه الظاهرة تعكس أزمة ثقة أو صعوبة في الوصول إلى الخدمات الطبية، خاصة مع ارتفاع تكاليف العلاج وطول فترات الانتظار، ما يدفع المرضى للبحث عن بدائل فورية، لكن الخطورة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي — رغم تطوره — لا يمتلك القدرة الكاملة على الفحص السريري أو الاطلاع على التاريخ المرضي الدقيق، وهو ما قد يؤدي إلى تشخيصات غير مكتملة أو استخدام أدوية بشكل خاطئ.
من الاستشارة الطبية إلى الدعم النفسي
الأمر لم يتوقف عند الجانب الصحي، إذ بدأ كثيرون في استخدام روبوتات المحادثة كمساحة للفضفضة والتعبير عن المشاعر، خاصة في ظل تزايد الشعور بالوحدة والعزلة الرقمية، البعض يجد في الذكاء الاصطناعي مستمعًا دائمًا لا يحكم ولا ينتقد، متاحًا في أي وقت دون إحراج أو خوف من الوصم الاجتماعي.
وتشير دراسات حديثة إلى أن فئة الشباب تحديدًا أصبحت أكثر ميلًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح حياتية أو عاطفية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإنسانية في عصر التكنولوجيا.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الأسرة والأصدقاء؟
مع تسارع نمط الحياة وضغوط العمل، بدأت العلاقات الاجتماعية التقليدية تتراجع لدى بعض الأفراد، ليملأ الذكاء الاصطناعي هذا الفراغ. فبدلاً من الاتصال بصديق أو أحد أفراد العائلة، يلجأ البعض إلى تطبيق ذكي للحصول على نصيحة أو دعم معنوي سريع.
لكن خبراء علم الاجتماع يحذرون من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا قد يضعف المهارات الاجتماعية ويقلل من قدرة الإنسان على بناء علاقات حقيقية قائمة على التفاعل الإنساني المباشر، وهو عنصر لا يمكن استبداله بالكامل مهما بلغت دقة الخوارزميات.
بين الفائدة والخطر
لا يمكن إنكار الفوائد الكبيرة للذكاء الاصطناعي، خاصة في نشر المعرفة الصحية وتقديم معلومات أولية تساعد المستخدم على فهم حالته بشكل أفضل، أو تشجعه على طلب المساعدة المتخصصة، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى بديل كامل للطبيب أو المعالج النفسي أو الدائرة الاجتماعية.
فالآلة تستطيع تحليل البيانات، لكنها لا تستطيع الشعور بالألم الإنساني أو إدراك تعقيدات العلاقات البشرية بنفس عمق التجربة الإنسانية.
المعادلة المطلوبة
يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن: استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة دعم ومعرفة، لا كبديل عن الخبرة الطبية أو العلاقات الإنسانية. فالتكنولوجيا قد تسهّل الحياة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الطبيب الذي يفحص، أو الصديق الذي يشعر، أو الأسرة التي تحتوي.
وفي زمن تتسارع فيه التقنيات، يبدو السؤال الأهم: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي ليخدم إنسانيتنا، أم نسمح له تدريجيًا بأن يعيد تشكيلها؟