في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات، وتتنافس المنصات على خطف الانتباه، اختارت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أن تخوض معركة مختلفة؛ معركة لا تُقاس بعدد المشاهدات وحدها، بل بعمق الأثر في الوعي الجمعي. هنا لا تكون الدراما مجرد حكاية، بل موقفًا. ولا يصبح البطل شخصًا على الشاشة فقط، بل فكرةً تتحرك في ضمير المجتمع.
لقد دشّنت المتحدة مفهومًا واضح الملامح لما يمكن تسميته بـ”دراما الوعي”؛ دراما تُدرك أن الفن ليس ترفًا، وأن الكلمة المصوّرة قد تكون خط الدفاع الأول عن الهوية، والدرع الناعم في مواجهة الفوضى الفكرية.
في مسلسل رأس الأفعى، لا تُروى الحكاية من باب الإثارة فقط، بل من باب التفكيك. العمل الذي يتناول شخصية مرشد جماعة الإخوان الإرهابية، محمود عزت، يذهب إلى ما هو أبعد من سرد الوقائع؛ إنه يفتح بنية الفكر المغلق، ويكشف آليات التنظيم السري، ويعرّي خطابًا طالما تزيّن بالدين بينما كان يختبئ خلفه مشروع فوضى.
الدراما هنا لا تهاجم أشخاصًا بقدر ما تحاكم أفكارًا، ولا تستعرض أحداثًا بقدر ما تُحلّل سياقات. إنها تُعيد ترتيب المشهد أمام عين المشاهد، ليُدرك كيف تُصنع الخديعة، وكيف يُستدرج الشباب إلى مسارات مظلمة باسم الشعارات البراقة.
وهنا تتجلى قيمة دراما الوعي: أن تمنح الجمهور أدوات الفهم، لا مجرد انفعال عابر.
أما في صحاب الأرض، فالصورة تتسع لتحتضن الجرح الفلسطيني، لا بوصفه خبرًا عابرًا، بل قضية هوية ووجدان. العمل يقترب من معاناة الشعب الفلسطيني بإنسانية صادقة، ويُظهر كيف ظلّت مصر، شعبًا ودولة، سندًا تاريخيًا للأشقاء في أزمتهم.
الدراما هنا تُذكّر بأن القضية الفلسطينية ليست بندًا في نشرة أخبار، بل قصة شعب يقاوم من أجل البقاء، وأن الموقف المصري لم يكن يومًا موقفًا عابرًا، بل امتدادًا لدور تاريخي راسخ في دعم الاستقرار والدفاع عن الحقوق المشروعة.
بهذا المعنى، تتحول الشاشة إلى جسر تضامن، وإلى مساحة لاستعادة المعنى الحقيقي لكلمة “الأمة”.
ما تفعله المتحدة في موسم رمضان يتجاوز السباق الدرامي المعتاد؛ إنه رهان على وعي الجمهور المصري والعربي. رهان على أن المشاهد لم يعد يبحث فقط عن ضحكة عابرة أو صدمة مؤقتة، بل عن عمل يحترم عقله، ويخاطب وجدانه، ويمنحه رؤية أوسع لما يجري حوله.
دراما الوعي ليست خطابًا مباشرًا ولا منشورًا سياسيًا، بل بناء درامي محكم، شخصيات نابضة، وصراع إنساني يعكس معارك أكبر تدور في الواقع. إنها استخدام راقٍ للقوة الناعمة، حيث تصبح الحكاية وسيلة دفاع عن الدولة الوطنية، وعن فكرة الاستقرار، وعن قيم التماسك المجتمعي.
في معركة الوعي، لا تكفي الخطب، ولا تُجدي البيانات وحدها. الفن هو اللغة الأقدر على النفاذ إلى القلب والعقل معًا.
ومن هنا، تبدو دراما المتحدة في رمضان مشروعًا يتجاوز الموسم، ليصبح جزءًا من معركة أوسع: معركة حماية الهوية، وكشف الزيف، والانتصار للإنسان العربي في قضاياه العادلة.
هكذا تتحول الشاشة من مجرد مساحة عرض… إلى مساحة إدراك.