لا يبدو «عين سحرية» كعنوان للمسلسل، مجرد إشارة إلى كاميرات صغيرة يثبتها عادل بحكم عمله، بل استعارة لعين أوسع، تتسلل إلى الداخل قبل الخارج، تراقب الضمير الإنساني، وتضع مفاهيم العدل والحق في مواجهة واقع لا يترك مساحة كبيرة للاختيار.
العمل منذ لحظته الأولى لا يكتفي بإثارة سؤال تشويقي حول جريمة رصدت صدفة، بل يذهب أبعد من ذلك إلى مساءلة المصائر التي تتشكل خارج إرادة أصحابها.

عادل لم يختر أن يكبر في ظل أب مدان ومسجون، ولا أن يظل هذا الإرث عبئا يطارده، وزكي لم يختر أن يتورط في قضية تسرق سنوات من عمره وتحرمه من ابنته وتأخذها بعيدا عن عالمه، كلاهما تشكل تحت ضغط عين أكبر، منظومة تراقب وتقرر وتعيد توزيع الأدوار، ومن هنا علينا أن نطرح السؤال الأكثر عمقا: هل يمكن للإنسان أن يظل وفيًا لقيمه وسط طاحونة بل مفرمة لا تهدأ، أم أن النجاة تقتضي تحولات موجعة؟
مشهد مشاهدة عادل لجريمة القتل عبر الكاميرا لا يؤسس فقط لمسار الإثارة، بل يعيد تعريف موقعه في المدينة. لم يعد مجرد فني يؤدي عملًا عابرًا، بل أصبح شاهدا على ما وراء الصورة. وفي المواجهة المبكرة مع زكي، حين يذهب لإزالة الكاميرات فيجد الأخير في انتظاره، يتكثف معنى المراقبة المتبادلة. النظرات.. الصمت.. العبارات المقتضبة، تكشف أن الصورة الظاهرة ليست سوى طبقة أولى من حكاية أكثر تعقيدًا.

ومع تطور الحلقات، خاصة حتى الحلقة السادسة، تتخذ العلاقة بين الرجلين منحنًى إنسانيًا لافتًا. زكي، الذي بدأ في البداية طرفًا قاسيا في معادلة صعبة، يبدأ في النظر إلى عادل بوصفه ابنًا محتملا.. مساحة يملأ بها فراغًا قديما خلفه غياب ابنته، في الوقت نفسه يحاول الاقتراب من ابنته الطبيبة النفسية التي تجهله، في مفارقة مؤلمة تكشف هشاشته الداخلية، وعلى الجانب الآخر، يبدأ عادل في رؤية صورة مختلفة للأب داخل زكي، كأنه يعيد تركيب ملامح لم تتح له فرصة فهمها في والده. هذا التشابك يمنح العمل بعدا إنسانيًا يتجاوز فكرة المطاردة والصراع.
مدينة تغوي أبناءها
"عين سحرية" لا يقدم حكاية تورط مباشر بين شاب ومحامٍ فذ مع إيقاف التنفيذ فحسب، بل يبني مستويات متعددة للسرد. هناك الحدوتة الظاهرة بكل عناصرها من خطر وتشويق، وهناك مستوى إنساني أعمق يتناول فكرة الأبوة والفقد والبحث عن الاعتراف، ثم مستوى وجودي يتأمل العدالة بوصفها مفهومًا ملتبسًا بين القانون والضمير.

المدينة في هذا البناء ليست خلفية صامتة، بل كيان مزدوج يملك من السحر ما يكفي لإغواء أبنائه، ومن القسوة ما يكفي لاختبارهم. الأزقة الشعبية، والمسمط الذي يتحول إلى مساحة تأمل، والمكاتب اللامعة التي تخفي شبكة مصالح، كلها عناصر تشتبك لتصنع صورة مدينة تمنح شعورًا بالانتماء في لحظة، ثم تدفع إلى الحافة في اللحظة التالية.
ذكاء السيناريو يتجلى في قدرته على رسم ملامح هذه الطبقات دون خطاب مباشر. الشخصيات لا تتحول إلى ببغاوات لشرح الأفكار، بل تظل متناقضة وقابلة للتصديق، وذكاء الإخراج يكمن في منح هذه التأويلات صياغة بصرية دقيقة؛ زوايا تصوير توحي بالمراقبة، ولقطات عبر زجاج وشاشات، وانتقالات مدروسة بين فضاءات عليا وسفلى، كلها تعزز فكرة أن الجميع داخل عين أكبر بتوقيع مدير التصوير أحمد جبر.
أما مونتاج للمونتير رامز عاطف، فقد حافظ على إيقاع متزن، يمنح المشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس دون أن يفقد التوتر. الموسيقى التصويرية للمؤلف الموسيقي خالد الكمار جاءت كخيط شعوري رفيع، تضيف قلقًا داخليًا غير صاخب، وهو ما أشاد به كثير من المتابعين، إلى جانب جودة الصورة والاهتمام بالتفاصيل البصرية، الأزياء لمروة عبد السميع، والديكور لم يكونا مكملين فحسب، بل عكسا الفروق الطبقية والتحولات النفسية للشخصيات، في انسجام واضح مع الرؤية العامة.

على مستوى الأداء التمثيلي، يكتسب العمل ثقله الحقيقي. عصام عمر يقدم عادل بأداء داخلي محسوب، يعتمد على التفاصيل الصغيرة أكثر من الانفعالات الظاهرة، ارتباكه الصامت، وتردده في لحظات الحسم، والنظرات التي تسبق قراراته، كلها صنعت شخصية قابلة للتصديق، بعيدة عن نموذج البطل التقليدي. أما باسم سمرة فيمنح زكي مساحة أوسع من التعقيد؛ صلابة في الصوت والحضور تقابلها شروخ إنسانية تظهر في لحظات محددة، خصوصًا في مشاهده مع ابنته أو في لحظات التأمل داخل المسمط، قدرته على التحرك بين القسوة والهشاشة دون افتعال جعلت الشخصية واحدة من أكثر شخصيات الموسم حضورا وتأثيرا.
ولا يقل حضور باقي فريق العمل أهمية، إذ جاءت الأدوار المساندة مكتوبة ومؤداة بعناية واضحة. من شخصية الابنة الطبيبة النفسية إلى الشخصيات المرتبطة بعالم المصالح والنفوذ، بدا أن كل ممثل يدرك موقعه داخل البناء الكلي، ما خلق حالة من الانسجام كأن الكل يشارك في عزف مقطوعة موسيقية تمهد وتصرخ وتصمت ليكتمل كريشندو اللحن.
هذا التوازن بين البطولة الفردية والعمل الجماعي منح المسلسل ثقلا دراميا لا يعتمد على نجم واحد، بل على حالة مميزة من أداءا ت متكاملة.
كما أن رهان المنتج محمد مشيش الذي يمتلك حسا خاصا على هذا المشروع، ومنحه مساحة فنية تسمح بتعدد الطبقات والتأويلات، كان جزءًا من نجاحه وأيضا المنتجة دينا كريم التي تمتلك موهبة خاصة في اختيار الموضوعات، وفريق العمل.
وفي النهاية، لا يفرض "عين سحرية" إجابة حاسمة، بل يتركنا أمام مدينة تغوي أبناءها بسحرها، ثم تختبر قدرتهم على الاحتفاظ بملامحهم وسط زحامها. وربما في هذه المسافة بين الإغواء والاختبار تكمن قيمة العمل الحقيقية، لا كحكاية عن جريمة، بل كمرآة لواقع يراقبنا بقدر ما نراقبه.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026

الفنان عصام عمر
باسم سمرة في عين سحرية

باسم سمرة وسما إبراهيم
باسم سمرة وعصام عمر
باسم سمرة

سما إبراهيم وعصام عمر
سما إبراهيم
عصام عمر في عين سحرية

عصام عمر
عمر الشريف
مشهد من مسلسل عين سحرية